الأدبية ولم يطلّع على ما قاله أبو يعقوب يوسف السكاكي -626هـ -في كتابه"مفتاح العلوم".. وعلى ما قام به الإمام جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب -739هـ- من تلخيص للمفتاح! اللهم اغفر لقومي فهم لا يقرؤون.
نعود والعود أحمد، إلى مثال واحد من الأمثلة التي ذكرها الإمام عبد القاهر الجرجاني، وليكن من الأمثلة التي اختارها الدكتور عبد الفتاح لاشين لكتابه"الخصومات البلاغية والنقدية في صنعة أبي تمام صفحة 213 وما بعد"حيث يقول:
"ومن دقيق ذلك خفيّه، أنّك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: وأشتعل الرأس شيبًا، لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلاّ إليها، ولم يروا للمزيّة موجبًا سواها ... هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم."
وليس الأمر على ذلك ... ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزيّة الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة .. ولكن لأنّه يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به واشتعل ما يسند إليه الرأس، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى شيبًا منصوبًا بعده .. مبيّنًا أنّ ذلك الإسناد، وتلك النسبة إلى ذلك الأوّل إنّما كان من أجل هذا الثاني، ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة"كقولهم:"
طاب زيدٌ نفسًا بدلًا من طابت نفس زيدٍ.
وقرّ عمروٌ عينا"بدلًا من قرّت عين عمروٍ."
وتصبّب محمد عرقًا بدلًا من تصبّب عرقُ محمدٍ.
وكرم عليّ وجهًا بدلًا من كَرَمَ وجه عليٍ.
وحسنَ سعيد أهلًا بدلًا من حسن أهل سعيد.
وأشباه ذلك مما تجد فيه الفعل منقولًا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه."إنّه تعبير في هندسة الجملة، وتبديل لديكورها الداخلي. دون تغيير أو تبديل في المواد والأثاث".
فنحن نعلم: أنّ اشتعل للشيب في المعنى، وإنْ كان هو للرأس في اللفظ، كما أنّ طاب للنفس، وقرّ للعين، وتصبّب للعرق، وكزمَ للوجه، وحسن للأهل .. وإنْ أسند كما أسند إليه. [1]
(1) -انظر بحث المسند والمسند إليه في الكتاب السيبويه.