بالتالي حدّ الكيفية الذي عليه يجري إفراغ المضمون في الشكل. إذ شئنا التحدث وفق المصطلحات النقدية الشائعة.
ملاحظة
1 -لاحظنا أنّ استخدام هذين المصطلحين"الشكل"و"المضمون"في النقد كان يثير دائمًا مشكلة التفريق بينهما، بما هما العنصران الأساسيّان، والمتمايزان على اختلاف، في النص.
والواقع، أنّه قد بذلت باستمرار جهود طيّبة لتلافي المشكلة. فكثر الحديث عن"وحدتها العضويّة"... إنما من غير فائدة كبيرة ملموسة. فدائمًا كان يبقى هناك افتراق بين الكلام المقول في النص من حيث هو الشكل"، وبين الفكرة التي يحملها الكلام النصيّ من حيث هو"المضمون".. ودائمًا كانت تبقى في التقدير مسافة ما بين الكلام النصيّ والفكرة المقصودة ... ولعلّ مصطلح "الأسلوب"قد كان على الغالب هو الجسر الذي يمكّن من تجاوزالمشكلة، بالقفز فوقها."
2 -هذه المشكلة التي أثارها هذا الفريق المتّسم بالصورية المنطقية، قد شكّلت ثغرة واسعة في عملية معرفة النصّ. وقد نفذ ما سميناه"النقد المثاليّ"منها إلى المطالبة بتحويل النصّ إلى منجز شكلاني بلاغي ... ونفذ منها"النقد الواقعي"إلى المطالبة بالتزام حدّ الوعظ الأيديولوجي ... ونفذ منها"النقد النفسي"إلى المطالبة بإقامة النصّ في الشطح الذاتاني.
وأرى لزامًا علينا أن نطرح السؤال التالي: هل مضمون النص هو فكرة أو مجموعة أفكار فحسب؟ إنّ الإجابة بالإيجاب تلغي مسألة الإبداع إلغاء تامًا، إلاّ فيما يخصّ المقالة كنوع أدبي.
فإذا كانت مهمة النصّ هي أن يضع المتلقي في مواجهة اشتراطات كينونته على هذه السوية من صيغ المواجهة أو تلك، فإنّه يجب أن يكون قد تولّد أصلًا عن مواجهة عاناها منشئه أو كاتبه ... فهو إذًا صيغة"حال"مخصوصة، لا تستهدف قول الأفكار، بل تستهدف إطلاق ذاتها من قيد الفرديّ، إلى رحابة العام المشترك وملائه:
-إنّها بالطبع تتضمّن الأفكار، غير أنّها لا تنطقها.
-إنّها تشي بها. وتستحضرها، ولكنّها لا تقولها ... لأنّها تستهدف تجاوز اشتراطات الكينونة بكلية الروح، لا بالفكر وحده ... فالتوصيف هو جزء من صيغة الحال تلك، وليس كلها.