أرسلتْ عالية آهةً، وقلتُ لها:
"درسنا في الجامعة طبقات الأرض ومعادنها الثمينة، كنتُ أظن أن الأرض شيء جامد لا يستشعر شيئًا على الإطلاق، أما الآن فألصق أذني بالأرض وأستمع إلى نبضها. إنها كائن حي مثلي ومثلك.. وعندما تطأها أحذية الأعداء الثقيلة يبدأ قلبها بالخفقان الشديد وأسمعها تبكي بنشيج مر".
ثم ارتأتْ عالية أن تغير الموضوع، فقالت:
"كركوك مدينة جميلة وشفافة كم أتمنى زيارتها"
"بعد الحرب سوف يتاح لنا رؤية مدن جميلة آمنة. وسوف تمتلئ عربات القطار الذي يقل الجرحى في هذه الأيام بالشبان اليافعين والفتيات الجميلات"وبعد برهة قلتُ:
"عشقتُ هذه المدينة. وفي كل مرة أعبر فيها ذلك الجسر الحديدي، أفتح نافذة السيارة العسكرية الصغيرة وأتطلع إلى الزوارق والبواخر الراسية على الشاطئ، وأشاهد النوارس تتخاطف فوق أمواج الشط. هل ولدتِ هنا، في هذه المدينة"
هي (بأسى) : (نعم في أحد أحيائها القديمة)
أنا:"في إحدى الروايات يدفن أحدهم وجهه في الطين ويقول لزميله: ما أروع رائحة الأرض إنها تذكرني برائحة زوجتي إثر خروجها من الحمام.."
هي:"أنت شاب رائع.. هل تقرأ روايات الحرب؟ إنها روايات مثيرة للشجن.. هل تفكر في العودة إلى عملك؟"
أنا:"الحرب لن تستمر دهرًا طويلًا، ولا بد أن أعود إلى عملي.. سأعود إلى بيتي وزوجتي.. وسأحمل ابني على ساعدي وأسير.. وفي المساء سأطل من شرفتي وأرى الشوارع المزدحمة بالسيارات والناس الفرحين.. أشم عبق الأزهار في حديقة المنزل.. سيرحلني الطبيب بعد يومين".
"سوف نحجز لك مقعدًا في القطار.. قطار الجرحى".
"هناك في القطار. سوف أتحدث مع زملائي الضباط والجنود.. وربما تكون أحاديثنا شيقة.. سنفكر بأولئك الجنود الذين غرسوا زيتون دمائهم على الحدود.. وعندما أصل مدينتي سأجد فرشاتي ولوحة الألوان بانتظاري ومثل رينوار سأرسم بعض الورود وكثيرًا من الورود."
الكوت 1986
النار الزرقاء
صباح شتائي غائم من صباحات شباط. الشمس تضع وشاحًا أبيض على وجهها الجميل الوقت الساعة السابعة والنصف. وصل خالد إلى كليته. ذهب مباشرةً إلى دولابه الصغير في ذلك الرواق الطويل، شبه المعتم. علّق صدريته البيضاء، النظيفة، ووضع كتبه الطبية الثقيلة سوّى شعره الأسود المجعد بأصابعه وراح يبحث عن زميلته ذات الأصابع الرقيقة الناعمة.