أنا:"أعود إلى مدينتي كركوك.. أنا مهندس في نفط الشمال. أزين جدران غرفتي بلوحات رينوار. إنه رسام فرنسي مولع حد الجنون بالألوان الزاهية هو يثير فيّ الإحساس بالجمال والمرح. كان رينوار يرسم مع زميله مونيه على ضفاف السين أطلق عليه أحدهم لقب الفنان الذي رسم السعادة. في أوقات فراغي آخذ فرشاتي وأنثر ألواني على قماش اللوحة".
هي:"هل سترسم لوحاتك في شرفة البيت أم في الغابة؟"
أنا:"الأمر سيان. سأرسم جمال بلادي.. أو ربما فتيات كركوك الجميلات"
هي:"هل تقيم في التسعين؟"
أنا:"نعم هل زرتِ كركوك من قبل؟"
هي:"لا"
أنا (بدهشة) :"كيف عرفتِ أنني أسكن في التسعين؟"
هي:"تحدثتُ مع عشرات الجرحى. وحفظتُ أسماء الحارات والقرى والمدن الصغيرة هل تجيد اللغة التركمانية؟"
أنا:"لا أعرف مفردات قليلة"
هي: تعلمتُ بعض العبارات. كتبها لي أحد الجرحى.
أنا:"أنت تمتلكين ذاكرة مدهشة ما اسمك؟"
هي:"عالية، هل تنوي أن تكتب لي حين تلتحق بوحدتك من جديد؟"
أنا:"لم لا سأبعث إليك ببعض رسومي وتخطيطاتي".
ضحكت وقالت:"أنا أحتفظ بالهدايا وأعتز بها. لدي تذكارات من الجنود صور.. مسبحات.. مناديل.. خواتم.. رسائل.."
أنا:"هل تصلك رسائل كثيرة؟"
هي:"أجل.. معظمها رسائل امتنان. وبعضها لا يخلو من العاطفة".
هيمن السكون. ثم قالت عالية وهي تكسر غصنًا صغيرًا:
"هذه الحرب توقع في النفس غمًا شديدًا"
"وحافلة بالمفاجأت والمآسي"
"ربما لا يزال على قيد الحياة العشرات من الجنود ممن نظمتْ لهم شهادات وفاة من سنين عدة".
كانت ذراعي مشدودة إلى عنقي، وكنتُ أحاذر تحريكها. شعرتُ بألمٍ في مرفقي وبعد لحظة صمت قلت لها:
"لا بد أنك سمعتِ قصصًا كثيرةً من الجنود"
"عرفت مئات الجنود الذين كانوا يحبون الوطن أكثر من حبهم لحياتهم.. غرسوا زيتون دمائهم في تربتنا. أولئك الجنود الطيبون اندسوا في أعماق روحي.. نحن نفخر حين يسلموننا جراحهم المقدسة، وأعضاءهم التي شوهتها النيران.. فقدتُ عائلتي في القصف المدفعي، لكن العمل في المستشفى منحني رؤيا جديدة.. رأيت نماذج من البشر لم أكن أحلم بالعثور عليهم"
ألقت عالية الغصن المكسور من يدها. وتطلعتْ إلى عصفور صغير أزغب حط على حافة إحدى النوافذ.
سألتها:"لماذا يعاني ذلك العريف من الشحوب؟ هل هو مصاب باليرقان؟"
"إنه مصاب بفقر الدم. ظل ينزف ست ساعات في أرض المعركة قبل أن يتمكنوا من إخلائه.. لقد عاش بإعجوبة.. هناك أمور صعبة التفسير."