فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 77

أنا:"لا. لكن الطبيب نصحني بمراجعة شعبة العلاج الطبيعي في مدينتي يبدو أن ضررًا قد لحق بعضلات ساعدي.. رحّلوا اليوم كثيرًا من المرضى"

هي:"في أيام الهجوم نحجز لهم جميع عربات القطار. نحن نسميه: قطار الجرحى"

رانت السكينة برهةً من الوقت: ثم أنا:"أتخيل الآن قطارًا مزدحمًا بالجرحى، بعضهم جالسون في المقاعد، البعض الآخر نائمون على طول المجازبين المقاعد.. المطر يهطل.. ليل داجي.. والقطار يواصل رحلته طوال الأبدية كلها. الجرحى ملفوفون بالضمادات.. والمطر يبلل النوافذ.. الوقت ليل والقطار يقطع المسافات البعيدة نحو الأفق.. الواقع ليس ثمة أفق على الإطلاق.."

هي:"أحد أطبائنا الشبان يسميه: قطار الألم"

طلبت من الممرضة أن تأخذني إلى الحديقة الصغيرة. ساعدتني في النهوض من السرير وأجلستني على كرسي ذي عجلات ثم راحت تدفع الكرسي إلى الحديقة.

قلتُ لها:"الحمد لله لم أصب بكسر في عظام ساعدي. أظن أنهم أفلحوا في وقف النزف في الهزيع الأخير من الليل".

قالت الممرضة السمراء: كانت شظية قد مزقت العضلات وشظية صغيرة جدًا غالبًا ما تقتل إنسانًا. عندما وصلت مستشفانا كنتُ أقوم بالخدمة الليلية في ردهة الطوارئ كان وضعك بائسًا"."

"أنتِ إنسانة رائعة. منذ متى تمارسين مهنة التمريض؟"

سحبت كرسيًا من اللدائن. جلستْ عليه وأجابتْ:

"منذ ثلاث سنوات تقريبًا"

لامستُ بقدميّ الحشائش التي تكسو الحديقة. سمعت حفيف أوراق الشجر، وشممتُ الأعشاب.

كنتُ أجلس في حديقة دارنا وأحكي لأخوتي عما جرى في المستشفى.. الليل حافل بالأحداث. لكن دعنا من ذلك. قل لي أين جرحت؟""

"قبل ثلاثة أيام كنا نصب عليهم وابل النيران. وفجأة سقطت قذيفة على مقربة منا، فانبطحنا أرضًا. وزلزلنا الانفجار وسمعنا صفير الأجزاء المتناثرة. أوه.. يا لرائحة البارود! أحسستُ بلزوجة الدم الحار.. وأدركتُ أني جرحتْ هل حدث وإن كنت في الجبهة؟".

"نعم. قضيتُ شهرًا في أحد مراكز الإسعاف كنتُ أعود إلى المستشفى منهكةً تمامًا"

سألتها بتعجب:"تعودين إلى المستشفى؟"

فردت بأسى:"نعم. لا أملك من هذه الدنيا إلا غرفةً في المستشفى. غرفتي هي بيتي. أنا أقوم بالخدمة الليلية بين يوم وآخر. ذات ليلة سقطتْ قذيفة مدفع فوق بيتنا وأحالته ركامًا".

كففنا عن الكلام لحظة ثم قلت:

"كانت الحرب نائية عن أذهاننا"

قالت:"هل تعتقد أنها سوف تستمر طويلًا؟"

أنا."لا"

هي: وماذا ستفعل بعد انتهاء الحرب؟""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت