فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 77

أيقظتني المدفعية في صبيحة هذا اليوم، فأجلتُ البصر فيما حولي. الردهة طويلة، أسرة بيض مصفوفة على الجانبين، نوافذ كبيرة تطل على حديقة مربعة الشكل تنبت فيها شجيرات خضر. زقزقة عصافير وأنين الجرحى في الأسرة المجاورة. ممرضتان تعتنيان بالعريف - تعرفت إليه لاحقًا- ذي البشرة الداكنة السمرة المائلة للصفر في الناحية اليسرى المطلة على الحديقة. العريف الجنوبي يئن بصوت عال ويتلوى جراء الألم الشديد في ساقه اليسرى. ممرضتان شابتان دخلتا الردهة قبل قليل، هما الآن ترتبان شراشف الأسرة، تضمدان الجروح، وتبدلان قناني المغذي الفارغة، وتزرقان الحقن. معظم الجرحى هادئين ما خلا عدد قليل. وعلى أية حال، ألفتُ جو المستشفى، واعتدت الروائح القوية: روائح المطهرات، روائح الأدوية، وربما روائح الممرضات أيضًا.

الممرضة ذات الوجه الخمري والشعر الأسود الكثيف مضت إلى النافذة سحبت الستارة جانبًا، فتحت النافذة قليلًا ونظرت إلى الخارج.

قبل أن تقترب مني بادرتُ قائلًا:"صباح الخير".

ابتسمت ابتسامة طفيفة وردت:"صباح الخير".

بدت في ميعة الصبا. فم صغير. جبهة عالية. زي أبيض منشى ظننتُ أني أراها أول مرة. وفيما كنتُ أحدق في عينيها البنيتين اللتين قالتا لي: في وسعك أن تشم نسائم الصباح المشبعة برائحة العشب الندي، قالت لي وهي تكشف عن أسنانها الأمامية البيض:"كيف تشعر الآن؟ أما زلتَ تشعر بالدوار؟".

"إني بخير. كنتم في غاية اللطف معي"

"ضمدوا جرحك في مركز إسعاف وحدتك. كان جرحك عميقًا".

وضعتْ المحرار في فمي. تلفتت فيما حولها. على محياها بانت علامات الأسى الذي كانتْ تحاول إخفاءه عن أبصارنا، لتمنحنا الشعور بالفرح.

قالت بوقار:"حرارتك طبيعية".

قلت:"شكرًا متى يأتي الطبيب؟"

فأجابت وهي تسجل شيئًا ما في جدول الحرارة:"دخل الردهة توًا. لم ينم ليلة أمس. كان الله في عونه. الأطباء لا ينامون".

"هل اطلعت على أنباء الجبهة؟"

"وفقنا في سحق الهجوم"

"كيف تجري الأمور الآن؟"

لم ترد عليّ لكنها قالت:"نحن فخورون بكم"صمتت قليلًا وأضافت:"أسرنا أعدادًا غفيرةً من رجالهم. قل لي، هل يوجعك جرحك كثيرًا؟"

"لا. إنه لا يوجعني كثيرًا الآن".

"لا يتساوى الناس في القدرة على تحمل الألم"

عندما جاءت الممرضة الشابة لتزرقني بحقنة الأميسلين كانت الشمس قد أخذت في الانحدار، والنهار بدأ يبرد. زرقنني الحقنة.

هي:"هل وعدوك بالنقل إلى مستشفى آخر؟"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت