قضى عطلته الربيعية في قريته الصغيرة، عشرة كيلو مترات شمال النعمانية. في هذه القرية ولد خالد، ومذ كان صغيرًا، غضًا، ألف المناظر اليومية للحياة الريفية: النساء الريفيات يرزحن تحت ثقل حزم من الحشائش يحملنها على ظهورهن، الجداجد تغني في الحقول، الفلاحون يشقون النزع بمساحيهم، العرق يتصبب من جباههم المتفضنة، أثوابهم الطويلة التصقت بظهورهم، البخار الشبيه بضباب الصباح يتصاعد من إبريق الشاي الموضوع على كومة حطب.
كانت جالسةً في آخر النادي، تنظر من خلال ألواح الزجاج المطلة على الممشى الأسمنتي. فتاة في الخامسة والعشرين، جميلة الملامح. ذات شعر كستنائي غزير تتركه مرسلًا عندما لا تكون في قاعات الدراسة أو الردهات. شعرها يضفي عليها مزيدًا من الأنوثة والرقة.
حياها وجلس قبالتها، راح يغرقها بنظراته الملتهبة. كانت قد شاهدته وهو يجتاز الباب الحديد، حاملًا كتبه وصدريته البيضاء. المشية المسرعة الجادة ذاتها.
الآن نجلاء ترتدي بلوزة جديدة، بلوزة محاكة، نقشت عليها ثمرة أناناس صفراء كبيرة وورقتين خضراوين، بدت في غاية الهدوء والاطمئنان خالد يحب الفتيات الهادئات الدافئات.
قالت بعد هنيهة:
-المكان هادئ جدًا، أليس كذلك؟
وضع خالد مرفقيه على المنضدة وقال:
-بعد قليل سوف يسمعوننا الموسيقى العذبة. جميل أن يسمع المرء الموسيقى في مكان هادئ. وبخاصة بحضور امرأة جميلة دافئة.
ابتسمت نجلاء وقالت:
-قرأتُ ذات مرة أن من المستحسن إسماع الطفل الصغير شيئًا من الموسيقى في الشهور الأولى من عمره.
-أنا استمتعتُ بأعذب الأصوات الطبيعية. كنتُ أسرح في البستان، صبيًا، تستوقفني زقزقات العصافير، وتوقظ في قلبي أجمل الرغبات حين تكونين في قلب البستان، تكون رغباتك كلها قد استيقظت وأحاطت بك. في خلال العطلة الربيعية تمشيت في البساتين، ورأيت نيران الخشب والفلاحين المقرفصين قربها يستدفئون، تملكني إحساس عارم لا مثيل له.. لعله الإحساس بالبراءة أو ربما الإحساس بالجمال.. عزيزتي، في صباي كنتُ أتسلق جذوع الأشجار، ولذا كانت دشداشتي ممزقة على الدوام. وها هي ذي الأعوام قد طارت مخلفة وراءها الذكريات الحلوة.. لكن لا تزال تتردد في أذنيّ أصوات العنادل، والعصافير، وطنين النحل، واليعاسيب الحمر ترافقني إلى البساتين. في الصيف تمتلئ الحقول والبساتين باليعاسيب والحشرات.. وأنا عائد إلى المنزل برفقة الفلاحين المسربلين بالتعب.