فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 77

المعتمة الحقيرة، تنزوي في منزل رطب. تلتصق بجدار إسمنتي. تندهش ترى أحرفًا عربية منقوشةً على الجدران. ترى النيران. النيران تندلع في المنازل القريبة. تصعد السلم الخشبي. وفي الشرفة تجد بندقيةً معبأة بالرصاص.

فجأةً تكتشف أنها قد كبرت ويمكنها استعمال البندقية. يشرأب عنقها. تلمح الجنرال يطلق النار على عمال باريس. تسمع هدير العربات التي يجلس فيها زبانية فرساي المنتفخي الأوداج. في الضواحي البعيدة عوائل تحمل أمتعةً وبطانيات وأدوات منزلية، تخوض في المياه الآسنة. يواصل الناس الزحف. ثياب الذل تقطّع أزرارها بحنق. يملأون بنادقهم بالرصاص. يجهزون المدافع. تنطلق القذيفة الأولى، الثانية، الثالثة. يبدأ المعترك الباسل. يسقط الجنرال في مستنقع قذر. تمتلئ أفواه زبانية فرساي بالوحل. يحتظرون وحيدين، يعود الهدوء لخندق (سان سيمور) . تظهر ممرضة شابة تحمل بيدها سلة ملأى بالورد الأحمر، لفافات الشاش ومحلول الميكروكروم. يسألها الناس عن هويتها فتقول:"أنا عاملة متخفية بزي ممرضة". تعود العوائل المهاجرة إلى منازلها. تشرع الأبواب والشبابيك. ويرى مليكة مغتبطةً ووجهها يضحك بمرح لا نظير له. يختفي كل شيء. لا طائرات. لا عساكر. لا أثرياء. ويفيق من الحلم. فيرى باريس تغتسل بمطر الفجر.

ماذا هناك؟

آه، لا شيء. الأمور هنا، دائمًا على مايرام.

ذات يوم مضت مليكة إلى طبيب الأمراض النسائية واستلقت على سرير الفحص. قال لها الطبيب الشاب بعد أن فحصها جيدًا:"الأمور جيدة، قلب"

خذي ذراعي، تسلقي عروقها، أو شرايينها أو أعصابها. تسلقي. نعم، نعم، أشم رائحتك. خطوة رائعة. خطوتان. ثلاث. علام تصرخين ياعروسي؟ آه. ماذا؟ دبابة فرنسية؟ ماذا؟ تريد سحق ذراعي؟ دعيهم يفعلون. لتذهب ذراعي إلى جهنم. لكني أريدك. أريد عينيك، زنديك، شعرك، نهديك، وزهر الساقين، أريد صوتك هادرًا في طرقات فرنسا. أريد يديك تحملان راية العمال. ماذا أسمع؟ أتبكين يا مليكة؟ تبكين في مدن الضياع والغربة؟

مهاجرون نحن. جئنا نبحث عن الذهب. لكننا خسرنا. خسرنا ذهب حياتنا. ذهب شبابنا. ذهب عرسنا. في الباخرة كنا فرحين مثل طائرين يحلقان في السماء. أول مرة. وحين قلت لك بأنني سأبني لك منزلًا من زهر الحدائق. ضحكتِ ورمتني عيناكِ بنظرة حلوة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت