"إنني أبحث عن عمل. يقولون إن في باريس مصانع كثيرة بحاجة إلى عمال. ربما نكون محظوظين فنعثر على مهنةٍ ما…"، وبعد مضي ستة أشهر، شاهداه في المقهى. التونسي في الحي اللاتيني. كان يتجاذب أطراف الحديث مع صديق له، دون أن ينفك عن فتل شاربه الأيمن. هو لا يزال يتسكع بين مقاهي الحي اللاتيني والأليزيه. لم يعثر على عمل. كان يلتقي كل مساء عاملًا مغربيًا أوطالبًا تونسيًا، يشربان القهوة المرة، يتحدثان عن كل شيء، ثم فجأة تظهر تعابير الجد على وجهه. فيتحدث عن العمل والعمال، عن الأثرياء، رؤوس الأموال، أسهم الشركات، عمال مصانع (ليب) المضربين، عن ضاحية (سورين) حيث يقيم العمال العرب والفرنسيون والأجانب مهرجانًا مسرحيًا.
آه، لاشيء يجري هنا.
الإدريسي يجمع القمامة في الفجر، في حين يكون الفرنسيون نائمين في أسرتهم الوثيرة الدافئة.
كل مساء يعود لغرفته وقد أضناه التعب. يرتدي منامته. يدخن. ولما يراوده النعاس يصبح الفراش عشبًا، وتختفي الغرفة وتصبح حديقة. يلقاها هناك. يعانقها. وينطرحان على الأرض المكسوة بالحشائش. تتنهد مليكة. يخفض بصره فيرى عنقها الرخامي الطويل. ينصت لأنفاسها السريعة. صدرها يعلو ويهبط. يتصورها طفلةً يتيمةً بائسةً. تتضور جوعًا. تركض في الشوارع والحارات، دامعة العينين، تبحث عن كسرة خبز، تصادف رجلًا عجوزًا بلحيةٍ بيضاء متموجة فيعطيها رغيفًا ويقول لها ناصحًا:"بنيتي، لا تذهبي إلى هناك،"
القذائف تنهال كزخ المطر."تذهب مسرعةً."
تختبئ في إحدى الحارات.
آه مليكة، لا تحزني، أرجوك، خذي عروقي، تسلقيها، تسلقيها بهدوء، تسلقي أسمع حفيف ثوبك، أجل، أجل، خطوة، خطوتان. هه؟ زلت قدمك؟ إذن كرري هادئةً واثقةً. تسلقي. ماذا؟ الحارس؟ الحارس نائم في كوخه القصديري. هو نفسه يكرههم. يكره الأثرياء القساة. الحارس أخبرني إنهم أرادوا نبش قبرك. أرادوا اقتلاع عينيك بأظافرهم. ياه، أنت حزينة يامليكة، وربما خائفة أيضًا. ماذا؟؟ نعم.. نعم.. سنهرب الليلة نقتحم الشوارع فجرًا. نرفع علمنا. نسير بقبضات مضمومة. ووجوه متوترة.
هيا تسلقي عروقي وانهضي. لقد أخطأنا تمامًا. أخطأنا وغادرنا وطننا. وطن الفلاحين الفقراء. غادرنا وطننا مثلما غادر الفجر حبات الندى ولم يتبادلا التحايا والقبلات.