ـ إنهما مثلنا تمامًا، وفي عيونهما شوق عارم..
قالت سناء بفرح:
ـ في مساء صيفي رائع، كانت أصابعه تلعب في شعري تارةً وتارةً يمررها فوق زندي قائلًا بأني أمتلك ذراعًا ناعمةً كالحرير.
قالت المرأة وهي تتذكر بمرارة:
ـ لم أرَ زوجي إلا في ليلة العرس. كان يحب الوشم كثيرًا، ويقول بأنه يتذكر الحقل عندما يراه منقوشًا على جسدي. لكنه، للأسف، ترك الحقل وجاء إلى المدينة.
لفت سهير ساقًا فوق أخرى، في حين راحت سناء تلف خصلة شعر بلون الغرين بأصبعها، خصلة رقصت على خدها المورَّد. أسندتْ المرأة ذقنها إلى راحة اليد.
قالت سهير:
ـ حميد لم يأتِ هذا المساء.
قالت سناء:
ـ حوادث الدهس كثيرة هذه الأيام.
قالت المرأة:
ـ والده تاجر حبوب ذائع الصيت.
كان الليل طائرًا أسود يبعث أصواتًا محزونةً كالصحراء، يهبط فوق صدر سهير. وحديقة المستشفى لما تزل مضاءةً والناس بدؤوا يندسون تحت الأغطية أو يتأملون القمر وهو يمر عبر الغيوم الداكنة.
راحت سهير تزرع نظراتها في الشجرة. أومأت برأسها. وقالت:
ـ بدأت أضجر منها على نحو جلي تمامًا.
لم ينهمر الصوت. عاد الصوت حزينًا. كالقبر.
ـ أنا يا أم حامد مثلها تمامًا. أنا متوحدة ومهمومة.
قالت سناء:
ـ لكنك تؤدين هنا واجبًا إنسانيًا.
ـ أعرف.
قالت سهير باقتضاب وسرح بصرها إلى البعيد. نظرتْ سناء إلى الساعة الصغيرة في معصمها وانهمر الصوت.
ـ في مثل هذه الساعة، قبل أسبوع، كنا في الكازينو المطلة على النهر.
حركت سناء الخاتم في إصبعها الأيمن وبدت كالحالمة.
-لا أدري هل أخبر الفلاح بأني بدأت امقتها.
-هل تريدين إقتلاعها من المدينة؟
هزت رأسها بالإيجاب، فجأة ، سألت سهير:
-آه، لاأدري كيف نسيت، أين هي الطفلة ذات العينين الخضراوين؟
-ماتت بالدفتيريا في يوم الخميس.. عندما سافرت إلى بعقوبة.
قامت سهير وودت أن تستدير ولكنها قالت:
-آه كم ستكون إمرأة جميلة لو أنها إتمت!
قالت سناء متضاحكةً:
-ربما تأتي إلى هنا فترى شجرة الجوز وتشق بالوحدة.
عندما قامتْ سناء وأم حامد. حدقت سهير بحزن إلى الشجرة، دق كعب حذائها فوق البلاط ثم أحست بألم مفاجئ في ظهرها فتأكدت بأن الشجرة أخذتْ تفرز خناجرها المسمومة في حنق وإن مسألة إنتزاع الشجرة من حديقة المستشفى باتت ضروريةً تمامًا
الكوت 1975
قصة حب
نزلت إلى البحر.كان هادئًا ورائعًا. قلّبت صفحات ديوانها المفضل. سألته:"ماذا تقرأ؟"..