فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 77

وصلت سهير إلى الباب وجاس بصرها في الخارج. عبر الحديقة وسورها الحديدي، حيث يخطر الناس فوق الرصيف. في كل مسار يمر حميد، يتوقف ويمسك بالقضبان الحديدية ثم يصبح دافعًا ذراعه في الهواء."هيه، أنتِ، أيتها البنت، أعرف أنك تذوبين حبًا، تحبينني حتى الموت، لكنني لن أتزوجك قط.. قط".

تطلق سهير ضحكةً عريضةً وتتأمل عيني سناء.

[قالت امرأة في الأربعين موشومة الرسغين:"مرةً لقي زوجي حميدًا في حمام رجالي، كان حميد يغني بصوت عال والرجال العراة يستمعون إليه ويطلقون صيحات الإعجاب.. عندما انتهى حميد من الغناء قدم زوجي له قطعة من الصابون لكنه رفضها وفجأةً نهض وتناول قشر برتقال مرمي على الأرض وأخذ يمرره فوق فروة رأسه."] .

ترن الجملة في رأسها مثل دقات ساعة جدارية في منزل خال"لكنني لن أتزوجك قط.. قط.."، في هذا المساء لم يأتِ حميد ولم يطلق صيحته المعتادة.

على جري عادتها، تفكر سهير الآنَ، هل يتزوج حميد، ومن تلك التي ستشاركه الفراش المغطى بشرشف وردي؟ وربما سيتزوج مجنونةً مثله أو على الأقل امرأةً ذات عاهة.

[في بعقوبة كانت ثمة مجنوتة اسمها (فطومة) . كانت متزوجة ولها طفلان يرتديان ثيابًا ممزقة تجرجرهما وراءها وهي تعبر الأسواق والأزقة الضيقة مطلقةً كلماتٍ بذيئةً كلما ناداها المرء. لكنها اختفت في السنوات الأخيرة، ويقال: إنها في بغداد الآن] .

جاءت أم حامد وتوقفت جنبها. تطلعت إليها في عطف.

قالت سهير:

ـ حميد لم يأتِ اليوم.

ـ أوه، هذا مجنون.. مجنون…

كانت أم حامد ترتدي ثوبًا رماديًا. اندفعت في الرواق وغابتْ في جوف غرفةٍ إلى اليمين. من جديد وجدت سهير نفسها متوحدةً مغتمةً مثل شجرة جوز الهند العقيمة. وقع بصرها على جذع الشجرة وراحت عيناها تنسلقان الجذع حتى عانقتا السعفات الخضر الشبيهة بالمظلات. فكرت سهير في سرها بأن هذه الشجرة العقيمة تنتصب منذ عامين أمام بصرها مثل شاهدة قبر.

سهير تجلس الآن على كرسي بشرائط صفر، وسناء على كرسي بشرائط زرق، على مقربة منها تجلس امرأة في الأربعين فوق الحشائش. في مواجهتهن جميعًا تنتصب شجرة الجوز مثل سكين ذي نصل مسموم.

أشارت سهير بيدها إلى الخارج.

ـ خلف هذا السور كان الأطفال يلعبون وفي عيونهم فرح غامر.. في حين..

سألت المرأة:

ـ أين المدفع؟ هل رحل الجنود؟

قالت سناء:

ـ الحالة انتهت. زال التوتر.

في هذه الأثناء مر شابان فوق الرصيف وحدقا إليهن عبر القضبان الحديدية. قالت سهير بحزن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت