إن تهمة الكفر التي ألصقت بأبي نواس، ومن قبله من أهل الجاهلية، كانت بسبب سلوك الأول المتهتّك، وطعن الآخرين على رسول الله وأصحابه ( 31) . وكلا الموقفين شخصّي لايتعدّى أصول الدين (القرآن الكريم والحديث الشريف) . أما مع أبي تمام، فالأمر يختلف تمامًا، إذ إنه في استعاراته يخالف حديثًا قدسيًا، له مكانته المقدسة في نفوس المسلمين. لهذا يمكن القول إن أحد أسباب الطعن على شعر أبي تمام خروجه فيه على أصل من أصول الدين. وليس الدين كما يقول صاحب الوساطة"بمعزل عن الشعر".
وإلى جانب تهمة الكفر، كان للشهرة دورها في الخصومة حول الطائيين، فقد احتلّ كلّ من أبي تمام والبحتري في عصرهما مكانة رفيعة، حتى قيل:"إنهما أخملا في زمانهما خمسمئة شاعر، كلهم مجيد" ( 32) .
والنقاد (من قدماء ومعاصرين) مقرّون لأبي تمام بهذه الزعامة. يقول طه حسين:"أما أبو تمام، فليس من شكّ أنه قد انفرد بالزعامة في وقت من الأوقات (33) ، حتى اعترف له بها خصومه، فالبحتري كان يرى نفسه تلميذًا لأبي تمام، وكان يقول: إنما أكلت الخبز بفضل أبي تمام . (34) "فأبو تمام أوّل شاعر إسلامي، استطاع أن يفرض زعامته فرضًا، وأن يعترف له بها الناس جميعًا، دون أن يزاحمه فيها أحد مزاحمة جدية" (35) ."
وليس أدلّ على مكانة أبي تمام هذه في عصره، من وساطته للبحتري عند أهل معرة النعمان (36) ، ومن احتكام الشعراء إليه (37) ، واستشفاع المذنبين به (38) ، وادعاء البعض أنهم إياه ليحتلّوا مركزًا في القلوب (39) ، وأمر المعتصم بعشرة آلاف درهم للشاعر على قصيدته الرائية في الأفشين ولمن حفظها وأنشدها، بنصف هذا المقدار (40) .