أما البحتري، فتحدّثنا الكتب أيضًا الشيء الكثير عن مكانته."فالمبّرد (286) وكبْرُهُ، (وهو الذي) لم يكن يقوم لأحد ولايتطاول له.. قام إلى البحتري، فاعتنقه وتنحّى عن موضعه وأجلسه" ( 41) . وعنه يقول (أي المبّرد) : إنه"ختم الشعر، وله بيتان لو وضعا إلى شعر زهير لجازا فيه" (42) . ويجعله الإسكافيّ أحد أركان البلاغة الثلاثة:"القرآن وكلام الجاحظ، وشعر البحتري" (43) ولايقف الأمر عند هؤلاء، فأبو تمام نفسه يعترف له بإمارة الشعر بعده، وبأنه نعى إليه نفسه (44) .
إن لشهرة الشاعر ومكانته من عصره، إذًا، دورًا هامًا في اختصام الناس حوله، وما الاختصام حول أبي تمام والبحتري، إلاّ صورة من صور الاعتراف بهذه المكانة، وتلك الشهرة. لهذا السبب لم يختصم الناس حول شعر ديك الجن، فهو، وإن كان يذهب مذهب أبي تمام والشاميين في شعره"، لم يتعرّض إلى ما تعرّض له أبو تمام. ومردّ ذلك"أنه دون أبي تمام مكانة وذيوع صيت" (45) . فهو بحسب أبي الفرج"لم يبرح نواحي الشام، ولا وفد إلى العراق، ولا إلى غيره منتجعًا بشعره، ولا متصدّيًا لأحد" ( 46) هذا، بالإضافة إلى أنه لم يكن يعيش في بيئة أدبية جادّة كبيئة بغداد في العصر العباسي مثلًا" (47) ولمّا كان كلّ إحسان لابد أن يقابل بالإساءة من بعض الناس، فإن شهرة أبي تمام وجدت من يحسده وينافسه عليها (48) . وخصوصًا أنه"ما كان أحد من الشعراء يقدر أن يأخذ درهمًا بالشعر في حياته" (49) .
لهذا راح نفر ينشر سيء شعره، طلبًا للشهرة والكسب والرفعة. يقول الأصفهاني:"وفي عصرنا هذا... أقوامٌ يتعمدون الرديء من شعره، فينشرونه ويطوون محاسنه، ويستعملون القحة والمكابرة في ذلك، ليقول الجاهل بهم: إنهم لم يبلغوا علم هذا وتمييزه إلاّ بأدب فاضل وعلم ثاقب. وهذا مما يتكسب به كثير من أهل هذا الدهر ويجعلونه، وما جرى مجراه من ثلب الناس وطلب معايبهم، سببًا للترفع وطلبًا للرياسة" ( 50) .