فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 122

إن شهرة أبي تمام ومنافسة خصومه له عليها، إذًا، كانت أحد الأسباب المهمة في الصراع بين أنصار الشاعر وخصومه. وقد ذكر الصولي هذه الطائفة من النقاد (51) .، لكن محمد مندور يرفض هذا الادعاء، ويعدّه"تمهيدًا من الصولي لإظهار علمه ونباهة ذكره" (52) .

وآخر سبب يمكننا أن نرجع إليه حدّة الخصومة، هو فارق السنّ. فكان ممّا يزيد في تحامل دعبل على أبي تمام، أنه"كان يوم قدم بغداد - في خلافة المأمون - شابًا صغير السنّ، على حين كان دعبل على أبواب الستين.. فلما تخطّى أبو تمام رقاب الشعراء جميعًا، داخل دعبلًا - فيما يبدو لمتتبع أخباره - حسدُ" ( 53) .

كلّ هذه الأسباب التي ذكرناها، كان لها تأثير في نشأة الخصومة حول مذهب الطائيّين .غير أن أقوى هذه الأسباب، هو خروج أبي تمام على عمود الشعر التقليدي، إذ يمكننا القول: إن معيار الخصومة كان طريقة الأوائل أو ما يسمّى بعمود الشعر. ومَنْ يرجع إلى موازنة الآمدي يتحقق مما نذهب إليه:"فأبو تمام، شعره لايشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم" (54) ، وهو"شاعر عَدَل في شعره عن مذاهب العرب المألوفة" (55) . أما البحتري،"فما فارق عمود الشعر المعروف" (56) . وخلاصة الكلام أن الخصومة الشعرية، ماهي إلاّ مظهر من مظاهر الحياة في الأدب. وإذا كانت هذه الخصومة لم تحتدم إلاّ في العصر العباسي، فللصراع الحضاري أثره في ذلك. فكلّ نقلة حضارية تحمل معها بذورًا لأشجار وارفة الظلال في المستقبل، وكفنًا لعناصر ما عادت تنسجم مع الحياة الجديدة. فيثور الصراع، لذلك، بين فريق يتمسّك بقديم كانت له الحياة، وفريق يشقّ طريقه في حياة ليست له. وما الحسد وفارق السن والشهرة إلاّ مظاهر لهذا الصراع الوجودي، ولسُنّة الحياة والتطوّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت