إنّ دراسة الآمدي - وهو يمثل أنصار البحتري - لاستعارات أبي تمام، متحيّزة. فهو يطيل الوقوف عند الاستعارات الرديئة، ويتبنّى منهجًا تقليديًا في التذوق والنقد... إنه"يقف عند الاستعارة الرديئة أكثر من وقوفه عند الاستعارة البليغة... (وإنّ الكثير) من النقد الموجّه إلى استعارات أبي تمام، مصدره التشبث بالمدلولات التي يكاد يقرّها الجميع، ولاتقبل تغيّرًا. ولا يذاق المدلول الحيوي لأيّ سياق، إلاّ في نطاق استجابته لما استقرّ في الذوق العام" (128) .
ويتابع مصطفى ناصف حديثة، فيتّهم النقد العربي بالتقصير والتقاعس في تذوق صور المحدثين، وبالركون إلى ما اعتادت الأذواق عليه من حدود ثابتة. يقول:"إن النقد العربي كالناعس لاينتبه، من غفوته، إلا على ضجّة وصوت رائع، ليس يعرف إلا الثورة على الخارج على ما يشبه الإجماع. وتلك الصفة حرمت النقاد من أن يصوّروا ما في استعارات المحدثين من عمق ونفاذ، وأن يشخصوها في كل مجالاتها، ثم جعلتهم يقصّرون في تتبّع استعارات القدماء أنفسهم، فإنهم يحلّلون منها فحسب، النماذج التي تعين على كشف الحدود التي لا يُستطاع تجاوزها. أما الحدود التي يجري فيها القدماء وبعض المحدثين، فلم تظفر منهم بالتفاتٍ قوي" (129) .
لهذا السبب يدعو عمر فرّوخ إلى عدم إقرار النقاد على كل ما أخذوه على أبي تمام وغيره،"فقد لا يكون المعنى من السوء، بحيث يظنون، ولا الاستعارة من البعد، بحيث يحسبون" (130) . فما أخذوه عليه ،مثلًا، من"تشبيه القلب بإنسان يشيب رأسه"صحيح المعنى (131) أو ما"أقاموا عليه الدنيا وأقعدوها (من تشخيص ) ، وله أمثلة فذّة في الشعر العربي، وإن كانت قليلة. فهذا امرؤ القيس يقول مخاطبًا الليل:"
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل
فجعل لليل صلبًا يتمطى، كما جعل له أعجازًا مُردَفة وكلكلًا ينوء به" (132) ."