ومما أخذ على أبي تمام أيضًا إغراقه في التشخيص والتجريد (119) . يقول الربداوي: إن"نزوع أبي تمام إلى (التصوير) وهو حلية فنية مستحبّة، جعلت بعض نقاد القرن الثالث ينفرون من هذا اللون الذي خطا به أبو تمام خطوات واسعة نحو التشخيص. فابن الخثعمي يستنكر قول أبي تمام: (خطوبّ يكاد الدهر منهن يصرع ) ، وعبد الصمد بن المعذّل يستنكر قول أبي تمام: (لا تسقني ماء الملام) " (120) ويعود سبب هذا النفور إلى كون التشخيص من خصائص الفن الفارسي، أي لأنه مظهر شعوبي، من جهة، ولندرة هذا الفن في شعرنا القديم، من جهة ثانية (121) .
لكنّ أبا تمام في اعتماده على الاستعارة (المكنية منها خاصة) في التصوير، لم يأت بجديد، إذ عرف القدماء هذا الفن التصويري (122) غير أن أبا تمام، أخذه فأسرف فيه، وأكثر منه.... ولم يقنع بالسهل اليسير منه، بل عمد إلى التقعّر والإغراب في إيراده. لهذا قال الآمدي:"وإنما رأى أبو تمام أشياء يسيرة من بعيد الاستعارات متفرقة في أشعار القدماء - كما عرّفتك - لا تنتهي في البعد إلى هذه المنزلة، فاحتذاها وأحبّ الإبداع والإغراب بإيراد أمثالها، فاحتطب واستكثر منها" (123) .
وإلى جانب الاستعارة، درس النقاد أيضًا تشابيه القدماء. فالصولي مثلًا يستحسن تشبيه الشاعر شيئين بشيئين في بيت واحد، كما في قول أمرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي (124)
وقول بشار بن برد:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا، ليلٌ تهاوى كواكبه (125) .
كما درسوا المبالغات، المقبول فيها والمزدول. فثار بينهم نقاش حول بيت البحتري:
يُخفي الزجاجةَ لونها، فكأنها ... في الكفّ قائمة بغير إناء (126)
وبيت أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النّطف التي لم تخلقِ (127) .