فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 122

إن أوّل ما يصادفنا في شعر أبي تمام، اعتماده الشديد على الاستعارة في التصوير (114) ، مما أثار عليه أنصار القديم من اللغويين، أولئك الذين تعلّقوا بالتشبيه طلبًا للوضوح الفاقع والدلالة المألوفة فقد"ظلّت الاستعارة بالنسبة إليهم عمومًا مصدرًا لسوء الفهم والارتباك، لما فيها من تغير لافت في الدّلالة، وإخلال بصفة الوضوح الفاقع التي يؤثرها اللغويون كلّ الإيثار. إنّ التشبيه هو أداة الشاعر القديم الأثيرة - في نظر اللغوي - وهو جار كثير في كلام العرب، ومن ثم فإن إيثاره إيثار القديم واحترام لفكرة التقاليد والنظام اللغوي الموروث" (115) . وأما سبب التهوين من شأن الاستعارة فيمكن إرجاعه إلى استنفاد القدماء المعاني، فصارت الاستعارة لذلك إخراجًا جديدًا لمادة قديمة. يقول مصطفى ناصف:"إن القدماء استنفدوا المعاني، وتركوا قليلًا رغبة عنه أواستهانة به أو لبعد مطلبه. بل إن هذا الوسواس الضئيل من المعنى لا وجود له... (وعليه ) ، فالاستعارة (عندهم) لاتزيد على تجربة قديمة المادة جديدة الإخراج: ( 116) ."

أما مآخذ أنصار القديم على استعارات أبي تمام، فأوّلها بعد هذه الاستعارات وخروجها على المألوف. يقول الآمدي: أبو تمام"شاعر عدل في شعره عن مذاهب العرب المألوفه إلى الاستعارات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ أو الإحالة" ( 117) . وثاني هذه المآخذ غموض الصلة بين المستعار والمستعار له، وهو مالاحظه الربداوي في موقف الآمدي. فقد أرجع هذا الأخير"قبح أكبر استعارات أبي تمام لسبب استعارته ألفاظًا لأشياء غير لائقة بها، وبذلك خالف مذاهب العرب في الاستعارة.. فالعرب استعارت"المعنى لما ليس هو له إذا كان يقاربه أو يناسبه أويشبهه في بعض أحواله، أو كان سببًا من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة، حينئذ لائقة بالشيءالذي استعيرت له، ملائمة لمعناه" (118) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت