على هذه الرؤية التقليدية ثار أنصار الجديد، فلئن كانت"اللغة مستودع الماضي"، إنها"في الوقت نفسه ينبوع المستقبل، من حيث إن الأساسي هو كلام الشاعر، الخاص به، ومن حيث إن الكلام يفتح بعضه بعضًا ." (100) وعليه فإن الشاعرمدعو إلى تأسيس تعبير جديد تتحقق فيه الوحدة بين مايقال وطريقة القول" (100) أي هو مدعو إلى أن يكون كلامه مطابقًا للمعنى الحادث الجديد، لا للمعنى المسبّق القديم، كمايريد التقليديون، وكما أصرّ علماء اللغة والنحو . (102) وهنا يكمن سرّ النقد الموجه لأبي تمام، فهو"يخالف قواعد اللغة لأنه متعمّق في المعاني، فيضطره هذا التعمق إلى أن يحمّل اللغة أكثر مما تطيق، ولا يجوز للمحدثين أن يتصرفوا في اللغة" (103) ."
وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى في حَرَم اللغة، وأمام قضية قدسيتها. وبذلك، تنحلّ مشكلة الخصومة حول اللفظ والمعنى، بين أنصار القديم والجديد. فالبحتري ملتزم بقدسية اللغة، محافظ على ألفاظها ودلالاتها المعنوية كما أقرّها عمود الشعر العربي. أما أبو تمام، فخارج على اللغة، يسعى إلى المعنى البعيد، فيضطر إلى تسخير اللغة له. وهكذا يقوم مذهب أبي تمام في اللفظ والمعنى على اعتماد"المعنى غير المألوف، واستخدام الكلمة العربية بطريقة غير مألوفة، أي نقل اللفظ عن معناه المعروف.. (وهو مذهب) جديد مخالف للطريقة التقليدية في كتابة الشعر آنذاك . لكنه، إذا كان خروجًا على الطريقة، فهو ليس خروجًا على الشعر، بل إنه أفق شعري آخر". (104) .
وعلى الرغم من مهاجمة النقاد مذهب أبي تمام في اللفظ والمعنى، نراهم، بالنسبة إلى المعنى، قد"سلّموا له بالشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني" ( 105 ) .