فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 122

ويعود أصحاب البحتري ليردّوا على خصومهم بأن"أخذّ السهو والغلط على من أُخذ عليه من المتقدمين والمتأخرين، في البيت الواحد والبيتين والثلاثة، وربما سلم الشاعر المُكثر من ذلك ألبتّة" (97) . هذا، على حين كان أبو تمام"لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أبيات عديدة، يكون فيها مخطئًا، أو مُحيلًا، أو عن الغرضِ عادلًا، أو مستعيرًا استعارة قبيحة، أو مفسدًا للمعنى الذي يقصده بطلب الطباق والتجنيس، أو مُبهمًا له بسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم، ولا يوجد له مخرج" (97) .

بعد هذا الدفاع عن المتقدّمين، يأبى أنصارهم إلاّ أن ينزّهوهم عن كل عيب وغلط، فينسبون أغلاطهم إلى السهو،"والسهو فيه إنما دخل على الرواة.. وليس ينبغي له (أي للمتأخر) أن يتبعهم (أي العرب) فيما سهوا فيه" ( 98) .

ويتابع خصوم أبي تمام الدفاع عن صاحبهم، فإن كان البحتري قد أخطأ في بعض شعره، فإنه لايكون بذلك"داخلًا في جملة المسيئين، ولا الخاطئين في الشعر، لجودة نظمه، واستواء نسجه، ووقوع لفظه في مواقعه، ولأن معانيه تصحّ في النقد، وتخلّصُ على السّبر والسبك، وأبو تمام يتبهرج شعره عند التفتيش والبحث، ولا تصحّ معانيه على التفسير والشرح" ( 99) .

لقد حدّد طرفا الخصومة، وهما يتبادلان الحجج بينهما، نظريتهما في اللفظ والمعنى. فأنصار القديم يميلون إلى المعنى القريب، البعيد عن التعقيد، و إلى اللفظ الواضح المطابق لدلالته المعنوية، لهذا قدّموا البحتري على أبي تمام. وهم، في موقفهم هذا كانوا يفصلون بين اللفظ والمعنى، وهذا يعني بالتالي"أن الشعر (عندهم) محاكاة، أوهو إعادة سبك لعناصر سابقة" (100) أما كون المعنى قريبًا، فهو يعني أنه: مسبق موجود قبليًا" (101) ، له رصيد سابق في أذهان المتلقين."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت