فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 122

هذا الخلاف حول اللفظ، والمعنى: كان أشد أنواع الخلاف إنتاجًا وأكثرها خصبًا ...وكان هذا كل ما عرف العرب من اختلاف في الشعر بين القدماء والمحدثين: اختلاف في اللفظ نشأت عنه مدرسة مسلم بن الوليد، التي أخرجت أبا تمام والمتبني وأمثالهما من أصحاب البديع، واختلاف في المعنى نشأت عنه مدرسة أبي نواس التي أخرجت البحتري وغيره من أولئك الشعراء، الذين آثرو اللفظ القديم والمعنى الجديد، ولم يتكلفوا بديعًا ولا استعارة ولا جناسًا" (91) ."

لقد احتلّت قضية اللفظ والمعنى، إذًا، حيّزًا هامًا من النقاش الدائر بين أنصار القديم وأنصار الحدّيث. بل إن بعضهم يذهب إلى القول:"إن محور تلك الخصومة كان تجديد المحدثين لمعاني القدماء وفشلهم أوتوفيقهم في ذلك" (92) .

فالبحتري، بحسب الآمدي،"يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام... ويتعمّد حذف الغريب والوحشي من شعره، ليقرّبه على فهم من يمدحه" (93) . أما أبو تمام، فكان"يستكره الألفاظ والمعاني،.. (بل إنه) تعّمد أن يُدلّ في شعره على علمه باللغة وبكلام العرب. فتعمد إدخال ألفاظ غريبة في مواضع كثيرة من شعره" ( 94) .

هذا هو رأي أنصار البحتري في الشاعرين. أما خصومهم فيرون أن ما أُخذ على أبي تمام في اللفظ، والمعنى مسبوق إليه:"ففحول الشعراء - الذين غلبوا عليه، وافتتحوا معانيه، وصاروا قدوة فيه، واتبعهم الشعراء، واحتذوا على حذوهم، وبنوا على أصولهم ـ ما عُصموا من الزلل، ولا سلموا من الغلط" (95) وإن أساء صاحبهم، فالبحتري أيضًا"قد أساء" (96) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت