وخلاصة الكلام أن مقياس المفاضلة بين الشاعرين هو تلك الصنعة اللطيفة المحبّبة، التي لا تتعارض مع الطبع وتلقائية التعبير. أما سمات هذه الصنعة فتكمن في عدم الإغراق فيها مع شيء من التنقيح، وفي الإبداع على غير مثال. وهذا هو مذهب الأوائل.
وهكذا، تردّ قضية الطبع والّصنعة إلى مسألة التقليد والتجديد أو الأصالة والمعاصرة: فالأصالة في التقليد، أما التجديد والمعاصرة فمر فوضان وإن توافرت فيهما سمات الصنعة اللطيفة .
و - اللفظ والمعنى
كانت قضية اللفظ والمعنى، أهم قضية دار حولها النقاش بين القدماء والمحدثين، بل إنها القضية الرئيسة، وما سواها متفرّع منها.
يحدثنا طه حسين عن تطور هذه القضية في العصرين الأموي والعباسي، فيقول:"كان القدماء والمحدثون أيام بني أمية يختلفون في اللفظ اختلافًا ظاهرًا، (87) وكانوا يتخذون اللفظ مقياسًا لجودة الشعر، فكلما قرب هذا اللفظ من البداوة، وكلما كان رصينًا يملأ الفم ويهز السمع كان الشعر جيدًا، أي إن جزالة اللفظ، وشدة القرب بينه وبين ألفاظ البادية في العصر الجاهلي كانت هي المزية الأولى للشاعر، ثم تأتي بعد ذلك جودة المعنى والتعمق فيه" (88) .
وقد استمرّ هذا الخلاف نفسه في أول العصر العباسي،"فاختلف الشعراء العباسيون، واختلف معهم الأدباء واللغويون في أيّ الشعرين أجمل وأرقى وأحسن: الشعر الذي يحتذي شعراء الجاهلية والإسلام في متانة اللفظ ورصانته وبداوته، أم الشعر الذي يتخير الألفاظ السهلة العذبة التي ألفها الناس عامة، لا علماء اللغة خاصة؟" (89) .
وإلى جانب ذلك ظهر خلاف آخر حول معاني الشعر:"أتبقى كما كانت بدوية أعرابية، أم تتحضر كما تحضّر الناس؟ ... أيعيش الشعراء عصرهم الذي هم فيه، أم يعيشون عصور الآباء والأجداد؟" (90) .