فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 122

وتستوقفنا في كلام الآمدي المتقدم تلك العلاقة الغريبة التي يقيمها بين الطبع وكلام الأوائل. فالمطبوع من الشعر هو ما كان يجري مجرى القدماء، لا ما يجري مجرى الذات المبدعة للفنان. لهذا السبب، مال النقاد إلى شعر الأعراب. وتعليل ذلك عند الآمدي:"أن الذي يورده الأعرابي - وهو محتذ على غير مثال - أحلى في النفوس، وأشهى إلى الأسماع، وأحق بالرواية والاستجادة مما يورده المحتذي على الأمثلة" ( 84) .

انطلاقًا من هذا المبدأ رفض الأصمعي بيتي إسحاق بن إبراهيم الموصلي"لأنهما لليلتهما... وأثر الصنعة والتكلف بيّن عليهما" (85) وكأن القضية ما عادت قضية طبع وصنعة، وإنماهي قضية تقليد وتجديد، فكل مقلّد مطبوع وكل مجدِّد صانع، وشعره ساقط.

غير أنّ في موقف النقاد هذا تناقضًا سافرًا، فهم مالوا إلى شعر الأعرابّي لأنه"محتذٍ على غير مثال"، ورفضوا شعر إسحاق بن إبراهيم لأنه لليلته.. فهم لم يحكموا على بيتي إسحاق انطلاقًا من روح الحكم النقدي على شعر الأعرابي (أي الاحتذاء على غير مثال) ، و إنما من منطلق المعاصرة، وإن كان فيها ابتكار وإبداع أو احتذاء على غير مثال.

ويرى خليل مردم بك، استنادًا إلى هذه القضية: كون شعر أبي تمام مصنوعًا وشعر البحتري مطبوعًا، أنّ"المفاضلة بين الشاعرين كالمفاضلة بين من يجيد الضرب على العود وبين من خلقه الله حسن الصوت" (86) .

ويبقى، أخيرًا، الحكم على شعر أبي تمام كله بالصنعة، وعلى شعر البحتري كله بالطبع، قاصرًا، إذ أننا لانعدم وجود شعر مطبوع عند أبي تمام قد يفوق المطبوع من شعر البحتري، كما لا نعدم وجود شعر مصنوع عند البحتري. فالقضية إذا نسبية، ولا يمكن الكشف عنها إلاّ بالدراسة النقدية الموضوعية، لشعر كلّ منهما على حدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت