وتستوقفنا هنا ظاهرة على درجة من الأهمية، وهي ما يُسمّى بالنقد الذاتي، إذ يعمد الشاعر إلى نقد شعره وتنقيحه وتثقيفه وغربلته، فلا يترك منه إلاّ مايرى أنه الأصلح للبقاء في التاريخ. وهذا ما لم يقم به أبو تمام، وكأنه شاء أن يعرض تجربته كاملة، بتوتّرات الإحسان والإساءة فيها، لتكون شاهدًا على ما في شاعريته من تفجّر وخمود.
هـ الطبع والصنعة
يرى الآمدي أن أبا تمام والبحتري مختلفان،"لأنّ البحتري أعرابي الشعر، مطبوع وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف.. ولأن أبا تمام شديد التكلف، صاحب صنعة،... وشعره لايشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم" ( 81) .
لقد انتبه، إذًا، خصوم أبي تمام إلى ما في شعر خصمهم من تكلف وصنعة، وما في شعر صاحبهم من طبع، فكانت هذه القضية ميدانًا للنقاش بينهم وبين الطرف الآخر. فأبو تمام في نظرهم خارج على عمود الشعر، لأنه تكلّف وخرج إلى الصنعة، فتبع مسلمًا بن الوليد في إفساد الشعر، بل زاد عليه"فاستحسن مذهبه، وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقًا وعرًا.. لقد أراد البديع فخرج إلى المحال" ( 82) .
لقد هاجم أنصار البحتري مذهب أبي تمام في البديع،"لاستكثاره منه، وإفراطه فيه"هذا على حين قبلوا شعر صاحبهم مع مافيه من الاستعارة والتجنيس والمطابقة" ( 83) ، لأنه"ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة"، أي لأنه لم يُغرق في الصنعة والتكلف. وهذا الكلام يعني أن النقاد القدماء لم يرفضوا الصنعة، لكنهم رفضوا الإغراق فيها. ولعلّ تنقيح الشعر الذي طالبوا الشعراء به، ما هو إلا صورة من صور الصنعة اللطيفة المحبّبة، التي رغبوا فيها."