غير أن اختلاف الشاعرين في أسلوب التعبير، جعل الموازنة بينهما غير عادية، إذ قامت المفاضلة بينهما من خلال بيت أو أبيات لهذا، وأبيات لذاك، فكانت أبيات أبي تمام المتفاوتة تقارن بأبيات البحتري المستوية، فيقع نتيجة ذلك ظلم فادح بأبي تمام، إذ يكون الحكم في هذه الحال لصالح الأبيات المستوية.. يفصّل عبد القادر القط هذا الأمر، فيقول:"لو كانت القضية قضية مطلقة غير مقيّدة بشعر هذين الشاعرين، وكانت المفاضلة بين شاعرين لأحدهما قصائد قليلة ممتازة، ولكن شعره متوسط المستوي لاينحدر إلى درجة الإسفاف،، لما تردّد الناقد في تفضيل الشاعر الأول، لأنه قد أضاف بروائعه القليلة إلى التراث الأدبي، ونستطيع أن نسقط من حسابنا كل ما قاله من قصائد رديئة، أما الآخر فقد سار على الدرب المطروق ولم يقدّم لشعبه أو للإنسانية جديدًا من الفن. ولكن الأمر لم يكن على هذا النحو، بل كانت المفاضلة بين بيت أو أبيات من قصيدة لأبي تمام وأبيات للبحتري، وكانت أبيات أبي تمام الرائعة القليلة تجيء وسط كثير من الأبيات الرديئة في القصيدة الواحدة، فيشعر القارئ إزاء هذا الخليط بشيء غير قليل من القلق ولايستطيع أن يفصل شعوره نحو الأبيات الكثيرة المُسفة من شعوره نحو تلك الأبيات الرائعة، وقد يؤثر في هذه الحال أن يقرأ شعرًا مستوي الأسلوب"لايعلو علوًا حسنًا ولا ينحطّ انحطاطًا قبيحًا"كما يقول الآمدي" (80) .
وخلاصة القول أن تفاوت شعر أبي تمام واستواء شعر البحتري كان سببًا رئيسًا في الحكم على الأول لصالح الثاني.
غير أن هذا لايمنع من الوقوف عند النماذج الرفيعة عند أبي تمام ومقارنتها بأمثالها عند البحتري، لتجعلنا نقدّم موهبة الأول على الثاني، تلك الموهبة القائمة على التجاوز والابتكار.