وقد أدرك أصحاب أبي تمام هذا الخلل في شعره، فهم لايدفعون"أن يكون قد أوهم في بعض شعره، وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه" ( 70) لكنهم، برغم ذلك، يحاولون تعليل هذه الظاهرة، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه غير منكر لفكر نتج من المحاسن مثل مانتج، وولدّ من البدائع ما ولدّ - إن يلحقه الكلال في الأوقات، والزلل في الأحيان، بل من الواجب لمن أحسن إحسانه ان يسامح في سهوه، ويتجاوز له عن زلله" ( 70) ."
ويرى أصحاب أبي تمام أيضًا أنه لما كان"جيد أبي تمام لا يتعلق به جيد أمثاله... وكان كل جيّد دون جيده، لم يضره ما يؤثر من رديئه" (71) . وإذا كان، أخيرًا صاحبهم قد أساء في بعض شعره، فالبحتري أيضًا"قد أساء" (72)
أما أصحاب البحتري، في ردّهم على هذه القضية، فيقدّمون شاعرهم لأن"المستوي الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر" ( 73) ، ولأن"من أحسن ولم يسئ أفضلُ ممن أحسن وأساء" (74) . وإذا كان جيد أبي تمام"لا يتعلق به جيد أمثاله"، فإنما وصف بهذه الصفة _ في نظرهم"لأنه يأتي في تضاعيف الرديء الساقط، فيجيء رائعًا لشدّة مباينته ما يليه، فيظهر فضله بالإضافة. ولهذا، ما قال له أبو هِفّان"إذا طرحت درّة في بحر خرء فمن الذي يغوص عليها ويخرجها غيرك؟ والمطبوع الذي هو مستوي الشعر، قليل السقط، لايبين جيده من سائر شعره بينونة شديدة، ومن أجل ذلك صار جيد أبي تمام معلومًا وعدده محصورًا" (75) . ولهذا أيضًا، يفضل البحتري. وهذا"هو الصحيح" ( 76) . بحسب الآمدي."
أمّا القول في إساءات البحتري، فيردّ أصحابه على الخصوم، بأنه ليس شيء مما (عابوا) به البحتري من اللحن خارجًا عن مقاييس العربية، ولا بعيدًا من الصواب، بل قد جاء مثله كثيرًا في أشعار القدماء والأعراب والفصحاء (73) .
ويردون أيضًا على ما عابوا البحتري به، في قوله:
يُخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكفّ قائمة بغير إناء