مما يؤخذ على أبي تمام التفاوت في التعبير الشعري، فهو يأتي بالبيت النادر ويقرنه بعده بالبيت السخيف، لهذا يقدّم البحتري عليه، إذ سلم شعره من هذا التفاوت. يقول المسعودي:"قال (عبد الله بن الحسن بن سعد) : وسألته (أي المبرّد) عن أبي تمام والبحتري، أيّهما أشعر؟ قال"لأبي تمام استخراجات لطيفة، ومعان ظريفة، وجيدّه أجود من شعر البحتري، ومن شعر من تقدّمه من المحدثين. وشعر البحتري أحسن استواء من شعر أبي تمام، لأن البحتري يقول القصيدة كلها، فتكون سليمة من طعن طاعن أو عيب عائب، وأبو تمام يقول البيت النادر ويتبعه البيت السخيف، وما أشبهه إلاّ بغائص البحر يخرج الدرة والمخْشلبة، فيجعلها في نظام واحد. وإنما يؤتى هو وكثير من الشعراء من البخل بأشعارهم، وإلا فلو أسقط من شعره على كثرة عدده ما أنكر منه لكان أشعر نظرائه .." ( 66) "
نحن، إذا، أمام مذهبين في النظم: مذهب أبي تمام، وهو"مختلف لايتشابه، فجيّده"لايتعلّق به جيد أمثاله، ورديّه مطرح مرذول" (67) ومذهب البحتري، وهو مستو"يشبه بعضه بعضًا ...فشعر البحتري صحيح السبك، حسن الديباجة، ليس فيه سنساف ولا رديّ ولامطروح" (67) "
أما سبب التفاوت في شعر أبي تمام، فيرجعه المبرّد إلى أن الشاعر كان يبخل على شعره بالتنقيح (68) . وهو مارآه الآمدي أيضًا بقوله:"لكنه شَره إلى إيراد كل ما جاش به خاطره ولَجْلَجَهُ فكُره، فخلط الجيّد بالرديء، والعين النادرَ بالرّذْل الساقط، والصواب بالخطأ" (69) ولو أنه عمد إلى التنقيح،"وأسقط من شعره... ما أُنكر منه، لكان أشعر نظرائه" (66) .