فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 122

لقد شغلت قضية غموض شعر أبي تمام كلًا من الخصوم والأنصار، فكلّهم متفقون على وجود هذا الغموض في شعره، ولا نعرف أحدًا نفى هذه السمة عنه. لهذا يستوقفنا نص يخالف هؤلاء وأولئك، ويعترف فيه قائله لأبي تمام بالوضوح فقد"كتب الحسن بن وهب إلى أبي تمام:"أنت - حفظك الله - تحتذي من البيان في النظام، مثل ما نقصد نحن في النثر من الإفهام، والفضل لك - أعزك الله - إذ كنت تأتي به في غاية الاقتدار، وعلى غاية الاقتصار، وفي منظوم الأشعار، فتحلّ متعقّده، وتربط متشرّدة ،وتضمّ أقطاره، وتجلو أنواره، وتفصّله في حدوده، وتخرجه في قيوده، ثم لا تأتي به مهملًا فيستبهم، ولا مشتركًا فيلتبس، ولا متعقّدًا فيطول، ولا متكلّفًا فيحول. فهو منك كالمعجزة، تضرب فيه الأمثال، وتشرح فيه المقال، فلا أعدمنا الله هداياك واردة، وفوائدك وافدة" (61) ."

في هذا النص دليل سافر على وجود فئة من الأدباء والنقاد، كانت لاترى غموضًا في شعر أبي تمام، بل، على العكس، كانت تراه واضحًا، ولا التباس فيه ولا تعقيد. ولئن غمض شعره على بعض الفئات، إنه كان مفهومًا من بعضها الآخر. وهذا يعني أن هذا الشعر ابن عصره، وأنه كانت هناك فئة تتذوّقه ولاترى فيه غموضًا.

وتبقى قضية الوضوح والغموض نسبية، بحسب ثقافة المتلقي وتفاعله مع الشعر والشاعر. فإذا كان أبو تمام يريد أن يرقى بالمتلقي إلى مستوى فهمه، فإنّ من واجب الشاعر أيضًا أن يسعى ليبلّغ المتلقي رسالته بوضوح وبلاغة فاعلة. وهذا لا يعني الابتذال، فالوضوح شيء والابتذال شيء آخر، كما أن الغموض الموحي الممتع بلّذة الكشف شيء والغموض المبهم المحبط شيء آخر.

ويبقى الشعر لغة الشعور وفسحة التقاء بين روحين، لتبلغا في لحظة صوفية روح الحقيقة المُطلقة.

جـ - الصدق والكذب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت