-هذا، في حين استسلم البحتري لطبعه في اختيار ألفاظه، إذ"كان يتعّمد حذف الغريب الوحشي من شعره ليقربه من فهم من يمتدحه... ويرى أن ذلك أنفق له، فنفق، وبلغ المراد والغرض" (54) .
أما ادعاء أصحاب أبي تمام باستحسان الأعراب شعر صاحبهم إذا فهموه، فهذا عند صاحب البحتري كلام"لا يصح إلا بالامتحان" (55) .
وخلاصة القول في هذه القضية عند صاحب البحتري، أن"التجويد في الشعر ليست علته العلم، ولو كانت علته العلم لكان مَنْ يتعاطاه من العلماء أشعر ممن ليس بعالم" (53) . لذلك، كان البحتري الشاعر غير العالم، خيرًا من أبي تمام الشاعر العالم.
إن مادار من مناقشات حول هذه القضية، يمكن إرجاعه إلى تقصير النقاد في دراسة شعر المحدثين، بالنسبة إلى دراساتهم لشعر القدماء. يقول عبد العزيز سيد الأهل:"إن شعر المحدثين في زمان أبي تمام لم يكن أهل عصره قد درسوه كالقديم، ولم يذّلله أئمّة لهم كالذي ذلّلوه، ولم يجد له رواة يحفظونه ويكثرون من روايته، ولم يعرفوا ما يضبطه وما يقوم به، وقصّروا فيه فعابوه" (56) .
لهذا، كانت الأسس النقدية التي اعتمدها النقاد في نقد شعر أبي تمام، صحيحة بالنسبة إلى الشعر القديم الذي ألفوه، لا بالنسبة إلى ما يمكن أن يُستنبط من شعر أبي تمام من أحكام. يقول عمر فروخ:"إن الأسس التي اتخذها النقاد لنقد شعرأبي تمام.. صحيحة بالإضافة إلى أنفسهم _ أي إلى ما ألفوا وما لم يألفوا - لا بالإضافة إلى مايمكن أن يفهم منها بعد إعمال الفكر" (57) . وهذا ما يدفع إلى عدم التسليم بكل ما أخذه النقاد"على أبي تمام، أو على غيره، فقد لا يكون المعنى من السوء بحيث يظنون، ولا الاستعارة من البعد بحيث يحسبون" (58) . فأبو تمام"يفكّر بطريقة صحيحة، ولكنها بعيدة عن مألوف الرجل العادي" (59) . وما غموضه إلاّ لأنّه رائد نهضة شعرية، و"كل شعر يبدأ نهضة، فهو غامض" (60) .