والحديث عن قضية الغموض في الشعر يقودنا إلى الحديث عن ثقافة الشاعر، فأصحاب أبي تمام يرون أن"الشاعر العالم أفضل من الشاعر غير العالم" ( 48) . وتعليل ذلك أن"الأوّل يضيف إلى القارئ معرفة جديدة، أما الثاني فلا يضيف أي شيء، بل يعكس (كذا) للقارئ معرفته، فكأنه يردّ له بضاعته" (49) . لهذا فأبو تمام مُقدّم عند أصحابه، لأنه صاحب ثقافة واسعة في الشعر وروايته، وفي الفلسفة. وقد استطاع أن يوجد في شعره تآلفًا مبتكرًا بين المعنى الفلسفي غير العربي، واللفظ العربي (50) وإذا كان الأعرابي لايفهم بعض شعره، فليس لأنه محال أو مستغلق. والدليل على ذلك أنه"إذا فُسّرله، فهمه واستحسنه" (51) . ومعنى ذلك أن عدم فهم الأعرابي لهذا الشعر، يعود إلى قلة إطلاعه وثقافته ودربته، لا إلى قصور في إدراكه، أو غموض في هذا الشعر. يقول أدونيس:"إن عدم فهم الشعر لايعود إلى إغرابه، بل يعود إلى أن قارئه قليل الدربة والممارسة، ومنذ أن تنكشف له معانيه، بالممارسة والدربة، يزول إغرابه، ويصير واضحًا" ( 52) .
ويرفض أصحاب البحتري هذه المقولة، فشعر العلماء عندهم لايرقى إلى مستوى شعر الشعراء. يقول الآمدي على لسان صاحب البحتري مُعللًا:"فقد كان الخليل بن أحمد عالمًا شاعرًا، وكان الأصمعي عالمًا شاعرًا، وكان الكسائي كذلك، وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر العلماء، ومابلغ بهم العلم طبقة مَنْ كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء . (53) . لهذا وجب تقديم البحتري على أبي تمام ؛"إذ كان معلومًا شائعًا أن شعر العلماء دون شعر الشعراء" (53) ."
وإذا كان أبو تمام قد أظهر ثقافته في شعره، متعمّدًا"أن يدُلَّ على علمه باللغة وبكلام العرب"، فإن هذا جعله يدخل ألفاظًا غريبة في مواضع كثيرة من شعره، وذلك نحو قوله:
هُنَّ البَجَاريُّ يا بُجَيْر ... أَهْدَى لها الأبؤسَ الغُديْرُ" (53) "