إن الوقوف على الحجج التي تقدّم بها الطرفان المتخاصمان، يضعنا أمام قضايا هامة في النقد العربي القديم. فالحكم على جودة الشعر - في نظر أنصار القديم - مقترن بمقدار سيرورته بين الناس، فمن قبل الناسُ شعرَه هو دون شك أفضل. هذا يعني بالتالي أنه على الشاعر، تحقيقًا لتلك السيرورة، أن يتفق شعره وذوق المتلقين. وحتى يتم ذلك، ينبغي أن يكون واضحًا مفهومًا، وهذا ما فعله البحتري"حين تعمّد حذف الغريب والوحشي من شعره". وأثر الرواة واضح في هذا المقياس النقدي . غير أن نظرة أنصار الجديد تختلف، فالشعر عندهم"لا يقيّم بمدى انتشاره بين الناس، بل يقيّم بمدى عمقه، وفهم ذوي الثقافة الشعرية العالية" (46) فيصبح، بالتالي، الحكم على الشعر بحسب النص لا بحسب المتلقي. وهكذا، يرتقي الجمهور إلى الشاعر، بدل أن ينزل هو إليهم. ولا يعود الشاعر مضطرًا لأن يقول ما يُفهم، بل على الجمهور أن يفهم ما يُقال (47) . بهذه النظرة الجديدة إلى الشعر تعود حقوق الإبداع إلى المبدع وحده، لا إلى الجمهور كما كان يريد أنصار القديم... وبهذه النظرة لايعود همّ الشاعر إرضاء ذوق المتلقّين، وقول ما ألفوه أو ما يتوقعّونه... وإنما يصير متحرّرًا يقول مافي نفسه، خالقًا بأسلوبه لغته وصوره المميزّة.. لكن هذا الكلام لا يلغي أبدًا دور الجمهور، فهو أيضًا مُبدع للنص بالقراءة.. وفعل الإبداع يعني أن يتجاوز القارئ المألوف، فيرتقي مع الشاعر إلى خلق عوالم جديدة، ماكان يعرفها.