إن الحديث عن مطالبة القدماء الشعراء بالكتابة وفق أذواق المتلقين، ووفق مذهب الأوائل، يقودنا إلى الحديث عن قضية الصدق والكذب. والآمدي في موازنته يتعرض لهذه القضية،"فيعرض طائفة من مآخذ الرواة على القدماء، وهي مآخذ تُردّ في أكثرها إلى مطالبة الشاعر بأن لايصف الأشياء كماهي في الواقع، بل كمثل أعلى، كما تُردّ إلى المبالغة في فهم بعض الأبيات مبالغة تفسد معانيها.. (62) "
وعليه، يرى محمد زغلول سلام مع ابن رشيق"أن المحديثن أكثر تلاؤمًا مع العصر ومسايرة له، وأنهم أصدق تعبيرًا من التقليديين الذين ينهجون مناهج القدماء، وأن شعر القدماء لا يوافق بحال أذواق العصر، وحياة البداوة مغايرة لحياة الحضارة. فصور الشعر القديم المشتقة من حياة القدماء، لا توافق أمزجة المحدثين الذين بدّلت الحضارة من حياتهم وعدّلت في أذواقهم. والمحدثون أصدق إحساسًا وتعبيرًا، لأنهم إنما يصوّرون ما يقع تحت أعينهم، ويديرون على ألسنتهم ما يقرّ في آذانهم" (63) .
لقد كانت الخصومة حول مذهب أبي تمام، لأنه خالف الطريقة التقليدية للشعر العربي، في اعتماد مبدأ المثل في التصوير والمقاربة في التشبيه، ولإغراقه في طلب الغريب من المعاني والمبالغ فيها.
لقد اعتمد أبو تمام على ذاته وأخضع الآخرين له، بدل أن يخضع لهم (64) . وفي هذا تحدّ للذوق العام والتقليد الشعري، الذي يدعو إلى المقاربة في التشبيه واعتماد مبدأ المثل في التصوير.
ولعلّ للإطار الحضاري العام أثرًا بارزًا في ما جاء به أبو تمام. فطريقته ليست غريبة في العصر الذي عاشه، ذاك العصر الذي:"تزعزعت فيه فكرة النموذج أو الأصل، ولم يعد الكمال موجودًا، كما يقول التقليد الديني، خارج التاريخ. لقد أصبح الكمال في هذا العصر موجودًا داخل التاريخ. أصبح بمعنى آخر، كامنًا في حركة الإبداع المستمرة، أي في الحاضر - المستقبل، ولم يعد قائمًا في الماضي، كأنه ابتكر للمرة الأولى والأخيرة" (65) .