فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 122

لقد أكدّ أنصار القديم أنّ"كتابة الشعر، بالنسبة إلى الشعراء اللاحقين، نوعٌ من التفريع على الشعر القديم، والاشتقاق منه. وما النقد إلاّ دراسة هذا التفريع وهذا الاشتقاق قياسًا على أصولهما" (31) . هذا على حين رفض المجددون"كلّ مالم يَعُدِ القصد منه يتطابق مع الحياة المستجدّة، وأكدوا على (كذا) التفردّ والسبق والكشف في الشعر. وبذلك يصبح النقد إضاءة التفرّد والسبق والكشف، بحيث لايستمدّ أصوله النقدية من نصوص مَضَت، وإنما يستمدّها من النصوص المتفرّدة السبّاقة الكاشفة ذاتها. فكلّ تعبير جديد يفترض معايير جديدة أي نقدًا جديدًا" (32) .

إنّ كلاّ من الفريقين المتخاصمين انطلق في حججه من التشبث بالماضي، وإن بدا الأمر غير ذلك. فأنصار الحديث يريدون أن يثبتوا أن لمذهبهم أصلًا في القديم، أما أنصار القديم فيردّون على خصومهم بأن تجديدهم في البديع مسبوقون إليه، وهو شائع بين الناس قبلهم (33) .

وعلينا أن نشير هنا إلى أن الخصومة في بعض جوانبها، لم تعارض المحدثين لحداثتهم، بل تناولت طريقة المحدثين في التجديد. فالبحتري قُبل لأنّ مذهبه وافق مذهب الأوائل، أما أبو تمام فرُفض لأن مذهبه خالف مذهب الأوائل (34) .

إن هذه القضية من أهم القضايا التي أثارتها الخصومة، لأنها أساس هذه المعركة. فطريقة الأوائل هي معيار الصراع بين الفريقين، ما شابهها حُكم له، وما خالفها حُكم عليه. فانطلقت المناقشات تحتجّ وتردّ، تهاجم وتصدّ، وثار غبار كثيف كان له فضل على الحركة النقدية الأدبية عند العرب. فالموازنات ومشكلة السرقات، ممّا زخرت به كتب التراث، مظهر بارز من مظاهر تلك الخصومة، إن لم يكن أبرزها. وكلها يبحث عن أصالة الشاعر وتفرّده وتميّزه بالنسبة إلى خصمه من جهة، وإلى المتقدمين من جهة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت