أما الحجة الثانية التي تقول بانفراد أبي تمام بمذهب اخترعه، فيردّ عليها خصومه، بأنه ليس"أولًا فيه، ولا سابقًا إليه، بل سلك في ذلك سبيل مسلم بن الوليد، واحتذى حذوه، وأفرط وأسرف وزال عن النهج المعروف والسنن المألوف" (24) . وأصول هذا المذهب"منثورة متفرقة في أشعار المتقدمين... وفي كتاب الله عزّ وجلّ" (25) . وكلّ ما فعله أبو تمام، هو أنه تبع هذا المذهب وأكثر منه"وأحبّ أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقًا وَعْرًا، و استكره الألفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤه" ( 26) .
هذان الجانبان كانا سببًا مهمًا في نشوء قضية السرقات الأدبية. فخصوم أبي تمام، وهم يردّون على حجة أنصاره بسبقه في مذهبه، راحوا يبحثون عن أصول هذا المذهب في القديم، وعن سرقات خصمهم ممن تقدمه. وفي كتاب"الموازنة"نماذج كثيرة لسرقات أبي تمام من غيره (27) ، كما أفرد أحمد بن أبي طاهر كتابًا في سرقات أبي تمام، في"الموازنة"نماذج منها (28) .
وقد كان على أنصار أبي تمام أيضًا، وهم يصمون البحتري بسرقة معاني صاحبهم، أن يدللوا على دعواهم بالشواهد، مما قادهم إلى البحث عن سرقات البحتري من أبي تمام ؛ فألّف أبو الضياء بشر بن يحيى كتابًا في سرقات البحتري من أبي تمام (29) ودراسة سرقات البحتري من أبي تمام قادت أنصار الأخيرإلى دراسة سرقات الأول من غيره من الشعراء أيضًا (30) .