فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 122

وظاهرة الموازنة بين الشعراء ليست جديدة في تراثنا النقدي، فهي موجودة في الجاهلية (21) . وحكومة النابغة بين الشعراء، وموازنة أم جندب بين زوجها أمرئ القيس وعلقمة الفحل في وصف الفرس، أكبر دليل على ذلك. لكن الجديد في الموازنة الناشئة عن الخصومة بين الطائيين، أنها موازنة بين مذهبين مختلفين، وإن كان طرفاها شاعرين (13) ، وأنها موزانة بين أستاذ وتليمذه، وأنها أخيرًا اتخذت طابعًا نقديًا منهجيًا (كما في كتاب الموازنة للآمدي ) ، على حين اقتصرت الموازنة القديمة على الملاحظات الجزئية اليسيرة (14) .

3 -قضايا الخصومة:

لم تقتصر الخصومة على المظاهر السابقة، وإنما أثارت قضايا عديدة، كانت هي بالتالي سببًا من أسباب الصراع. فالخصومة، والحال هذه، كانت ميدانًا لنقاش الكثير من القضايا النقدية، التي يمكننا إجمالها في الأمور التالية:

أ- التقليد والتجديد

لعلّ هذه القضية أبرز القضايا التي كانت المناقشة تدور حولها بين طرفي النزاع . فالبحتري أشعر من أبي تمام لأنه"أقوم بعمود الشعر" (15) ، أي لأنه على مذهب القدماء. أما أبو تمام، فهو أشعر في نظر أنصاره، لأنه خرج على عمود الشعر.

إن معيار الصراع بين الفريقين، إذا، هو طريقة الأوائل، أو ما يسمّى بعمود الشعر. ومدى اقتراب الشاعر من هذه الطريقة أو ابتعاده عنها، هو مقياس الحكم عليه بالتقديم أوالتأخير. والمفارقة الطريفة في هذا المجال، هي أن ما يُعدّ سببًا في تقدم الشاعر عند طرف، هو نفسه سببُ تأخيره عند الطرف الآخر، والعكس صحيح. (16) .

لقد احتجّ أنصار أبي تمام، في تقديم صاحبهم، بأنه عنه"أخذ البحتري وعلى حذوه احتذى، ومن معانيه استقى" (17) وقد اعترف البحتري نفسه"بأن جيّد أبي تمام خير من جيّده" (18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت