أيها الشعب المفدى هذه ... فرصة فيها نعاطيك الودادا
ونساقيك كؤوسا حلوة ... من أفاويق الرضى تنفي النكادا
عشت عشرا من سني التحرير، بل ... عشت نشرا بعدما متّ اضطهادا
وقد لاذ الشاعر حينئذ بعزلة هادئة، في توق صوفي بعيدًا عن الصراعات، متعففا عن الخوض في شؤون الناس وشجونهم كتعففه عما يتطاحنون حوله. ملازمًا بيته تحت وطأة المرض، سعيدا بالتقدير والاحترام راضيًا عن وضع بلاده. فلم يكن قريبًا من فئة باغية مضت تتكالب على الغنائم، ولا من أخرى انتهازية تسعى بشراسة لتحقيق المأرب المريبة وغيرها، بل كان الإنسان البسيط بساطة إيجابية، الطيب بفطرته، القنوع بطبعه، الزاهد في مأرب الدنيا ومتاعها، فكانت أمنيته الوحيدة في عهد الاستقلال، أن يطبع ديوانه ويحج إلى بيت الله الحرام، فلما تحقق له طبع ديوانه وأدواؤه فريضة الحج لم يعد يتمنى إلا أن يلقى الله سليما معافى، وعلى هذا الوضع اعتكف في بيته حتى لقي الله في: 1979 مشيعًا بالحب والتقدير من تلاميذه وأصدقائه وشعبه.
لقد كان (محمد العيد) من الشعراء العصاميين الذين مكنوا لدور الشعر نضاليا في حركة النهضة العربية الحديثة، كما كان صوتا متميزًا في مسيرة الحركة الشعرية في (الجزائر) التي يعتبر (الأمير عبد القادر) بدايتها في النهضة الحديثة و (العيد) علمها البارز، في التعبير عن مختلف القضايا الوطنية والعربية- الإسلامية والإنسانية، والهموم الاجتماعية العامة، والخاصة أيضًا، حين كان الشاعر ذا دور معتبر، وصاحب كلمة واعية، وذا ضمير وطني إنساني حيّ، كما كان الشعر سلاحًا قوميًا فاعلًا لا افرازات شخصية، والشاعر مجاهدًا بإيمانه وفكره وموقفه وروحه في صمت الواثقين العاملين لا دجالًا انتهازيًا مرتزقًا، يتاجر بالشعارات، وبالمواقف ويتلون مع كل وضع وظرف.