فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 127

وربما كانت المناسبة التعيسة التي فقد فيها ابنه واحدة من آخر الانكسارات المتتالية التي كانت تصيب الشاعر في حياته، فطبعت شعره بظلال تشاؤمية يظهر فيها طابع الضيق والملل من الحياة.

وما يستفاد من القصيدة أنها كتبت بعد الموت بفترة، فهي لا تحمل في طياتها أصداء الصدمة، بل تشي بالإحساس الحزين الهادئ الخاضع لشيء من ضوابط العقل والحسّ الديني، فجاء التعبير للرغبة عن الحياة بطريقة لا تنكر إرادة الله، بل يجعلها العقل تبحث عن السلوى، تتمثل بتعاقب الليل والنهار، تعبيرا على أن كل شيء إلى زوال.

ورغم كل هذا فلم يبرز الإحساس السلبي الشديد عند (بكر بن حماد) بوطأة السنين، وقد كتب القصيدة السابقة وهو في الخامسة والتسعين، لكن أمره لم يطل بعد رجوعه إلى (تيهرت) فتوفي سنة (296) أي بعد سنة واحدة من رجوعه النهائي (12) وهي السنة نفسها التي سقطت فيها الإمارة الرستمية أو (الدولة الرستمية) أمام اجتياح العبيديين كما سقطت الإمارة الأغلبية في (القيروان) فرثى سقوط (تيهرت) وبكاها كما تنبأ بدنوا أجله، وهو يدعو- زاهدا- للرحيل عن الدنيا:

زرنا منازل قوم لم يزورونا ... أنا لفي غفلة عما يقاسونا

لو ينطقون لقالوا: الزاد ويحكم ... حل الرحيل فما يرجو المقيمونا؟

الموت أجحف بالدنيا فخر بها ... وفعلنا فعل قوم لا يموتونا

فالآن فابكوا، فقد حق البكاء لكم ... فالحاملون لعرش الله باكونا

ماذا عسى تنفع الدنيا مجمعها ... لو كان جمع فيها كنز قارونا

ومهما يكن من شيء فإن (ابن حماد) نتاج فترة ثانية من أول مرحلة في نشأة أدب مغربي متميز؛ فعبر عن مغربه شعرا، بعواطفه وبصلاته في الإمارات الثلاث، كما نقل صوت هذا المغرب إلى المشرق، وصور بعض ما كان يجري هنالك من نقاش وأفكار، وسجل موقفه منه كعربي بحس مسلم مؤمن بضرورة التزام ما يوحد واجتناب ما يبدد الطاقات ويفرق الجهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت