شخصية بكر بن حماد التيهرتي (200-296هـ) إذن شخصية دينية أدبية، وهما صفتان لازمتا معا شعراء العصور الإسلامية الأولى في المغرب العربي الإسلامي، وهذا لاعتبار بسيط وهو أن أساس الثقافة العربية الإسلامية يؤمئذ هو الثقافة الدينية، حيث كان القرآن والحديث والدراسات الدينية والفقهية قاعدة أساسية لكل مثقف، وإلى جانب ذلك تنمو الثقافة الأدبية كما تنمو الميول الشعرية، لذا لا نعجب في هذه الفترة من غلبة الطابع الديني في الشعر العربي بشمال افريقيا خصوصًا.
وقد مثل هذه الرؤية بوضوح الشاعر التيهرتي (بكر بن حماد) كما سبق القول، بل يرى فيه البعض ممثلًا للفترة التي عاشها المغرب العربي كله، وهو ما برّر التسمية التي أطلقت عليه في بعض الأوقات أي (شاعر افريقيا) يزيد ذلك تأكيدًا أن بكرا بن حماد في حياته وفكره، في تنقله وعلاقاته جسّد انتماءه الأكبر للمغرب العربي الإسلامي، مثلما جسد انتماءه للوطن العربي والعالم الإسلامي.
لقد ولد بكر بن حماد بن سهل الزناتي في مدينة تيهرت سنة (200هـ) درس في بلده حيث كانت الحياة الثقافية مزدهرة خاصة في العاصمة (تيهرت) التي كان امراؤها يولون عناية للثقافة والمثقفين، فكانت المساجد والمجالس التي هي (نوادي) ذلك الزمن تعج بالمثقفين والأدباء، وأفسح المجال لمختلف الفرق والآراء للحوار في ظل العدل الذي أشاعه امراؤها ذوو المذهب الخارجي.
حين بلغ (بكر بن حماد) سبع عشرة سنة شد الرحال إلى الشرق، وقد بدأت الرحلة في طلب العلم تأخذ طابع التقليد الجيد الذي لا يلبث أن يكون جزءًا من متممات التكوين العلمي والفكري، فالتنقل بين المدن والأقطار والأوطان يثري خبرة الطالب، كما يجعله احتكاكه بأساتذة مختلفين يكوّن شخصيته العلمية الخاصة زيادة على الاستفادة الكبيرة حين تتنوع منابع المعرفة، وتختلف مشاريعها.