وقبل الحديث قليلًا عن هذه الشخصية المغربية المتميزة يحق لنا التساؤل عن بعض الذين كتبوا الشعر قطريا (كل وقطره) في هذه الإمارات المغربية في الفترة الثانية من مرحلة النشأة، حيث نلمس أدبًا مغربيًا بنسبه لأصحابه وبظروفه التي انتجته، وبطبيعة ما عالج من قضايا. وإن كان يتعذر تتبع ذلك في مثل هذا الوضع منهجيًا واحصائيًا، فإنه يمكن الاختصار الدّال، كما يمكن القول في الوقت نفسه أن بعضا من أمراء هذه الإمارات المغربية أنفسهم أسهموا في هذه النشأة بطبيعة تكوينهم الديني والأدبي، منهم بشكل خاص في الإمارة الإدريسية (إدريس) الثاني الذي حكم في الفترة (188-213هـ) وهو ابن المؤسس الأول للإمارة الإدريسية، كما نجد في الإمارة الرستمية مثلا (أفلح بن عبد الوهاب) الذي كان ثالث الأئمة الرستميين في الفترة الممتدة بين (188هـ) و (238هـ) خلفا لأبيه، وقد عرف بالعلوم الدينية، وكذلك بالشعر، وهو القائل:
العلم أبقى لأهل العلم آثارا ... يريك أشخاصهم روحا وأبكارا
والثقافة الدينية ونظم الشعر مرة أخرى- مهما كان المستوى -صفتان لازمتا المثقف العربي عموما حتى العصر الحديث، للعلاقة الوطيدة بين العربية والإسلام.
أما في الإمارة الأغلبية، ففي المقدمة مؤسسها (إبراهيم بن الأغلب) في الفترة (184-196هـ) القائل اعتدادًا بالنفس في كل ما كان يواجهه خارجيًا وداخليًا من حروب وفتن بطابعها العسكري والسياسي المذهبي:
ما سار عزمي إلى قوم وإن ... كثروا إلا رمى شعبهم بالحزم فانصدعا
ولا أقول إذا ما الأمر نازلني ... يا ليته كان مصروفا وقد وقعا
حتى أجليه قهرا بمعتزم ... كما يجلى الدجى بدر إذا طلعا
قوما قتلت وقوما قد نفيتهم ... ساموا الخلاف بأرض الغرب والبدعا
كلا جزيتهم صدعا بصدعهم ... وكل ذي عمل يجزى بما صنعا
يضاف إليه غيره من حكام الإمارة، مثل الأمير (زيادة الله) الأول