غير أن الملاحظ في الحياة الثقافية بالإمارات المغربية هو أن العلوم الدينية احتلت فيها الدرجة الأولى، لاعتبار أنها كانت الأساس الذي تقوم عليه ثقافة الفرد في العهود الإسلامية الأولى.
وقد نبّه (المقّري) إلى أن لا عناية لحذاق القيروان وافريقيا إلا بالفقه في السنين الأولى، وتأتي العلوم الأدبية في درجة ثانية، وفي مقدمة هذه الشعر. ينبغي أن نلاحظ هنا أن المثقف عمومًا، والأديب بشكل أخص، كانا بشكل عام فوق الحدود الاقليمية، وما تمليه المصالح السياسية الظرفية للأنظمة، وهذا ما يوحي بسعة الأفق لدى رجال الحكم، كما يؤكد أن الأديب خصوصًا ينبغي أن يكون فوق التكتلات المحلية الخاصة، والانحياز الظرفي الذي تمليه مصالح سياسية لا ثقافية، إلا ما يرى في مناصرته حقا يجب أن يدعم ولا يخذل.
كان المفكر والأديب يتجاوز الحدود الاقليمية الضيقة- عمومًا- ويلقى الترحيب حيث يحل، طالبا للعلم أو مسهما في التعليم، جواز مروره ورخصة إقامته الانتماء الحضاري، الحرف العربي والعقيدة، ولا شيء يقلق راحته في هذا القطر أو ذلك إلا إذا كان ذا نشاط سياسي جاد جدًا، وذا فكرة مذهبية مكشوفة يعتنقها ويدعو إليها بشكل سافر، فحينئذ فقط يبيت الاحتمال واردا في تعرّضه لمضايقات قد تختلف حسب الظروف، كما قد تتشكل وتتلوّن لكنها عمومًا لا تشنقه، فكان الأديب -عمومًا دائمًا- رسول وحدة، وتقارب وتآزر، فوق كل تحيز مقيت، وخير من يمثل ذلك في هذه الفترة مغربيا (بكر بن حماد بن سهل التيهرتي) .