وهنا نصل فعلًا إلى الإشكالية الحقيقية الثانية.. التي أدعو إلى التَدبَر فيها والبحث أيضًا والتفكير.. لماذا انتظرنا بعد (طارق) نحو قرن كي نرى نماذج أدبية جديرة بالاهتمام؟ هل غابت الظروف والعوامل؟ أهناك أثار ونصوص ضائعة؟ أم أن الحدث الذي فجر قريحة (طارق بن زياد) لم يتح مثله لغير طارق؟
أم انعدام أمثال (طارق) للتعبير عن الحدث؟ أكان إذن (طارق) فلتة في هذه الفترة المبكرة من نشأة الأدب المغربي؟ فانتظرنا نحو قرن حتى التقينا نماذج أخرى من الأدب المغربي بعدما صار هذا المغرب دويلات صغيرة ومتنافسة متصارعة، الأقصى، الأوسط، الأدنى.. هذه هي الإشكالية التي تبقى مصدر تخمين وتكهن، بل قلق وازعاج. بماذا نملأ قرنًا من الزمان فارغًا من أي أثر أدبي. هو قرن فارغ بين فترة أولى وفترة ثانية من نشأة الأدب المغربي؟ إنه أمر غير طبيعي وهو مصدر دوافع التكهن.. ودوافع القلق، أملًا في العثور على جواب شاف غير قابل للنقض والشك والرفض.
ومهما يكن من شيء، فقد جسدت خطبة (طارق) الفترة الخاصة بعهد (الولاة) في المغرب العربي صراعًا بين الإسلام والكفر، قبل أن يتجزأ هذا المغرب الكبير وينقسم على نفسه، فماذا عسانا نجد في عهد الإمارات أو الدويلات المغربية بعبارة أصحّ؟ أو من عساه يمثل الفترة إمارتيًا أو بالأحرى مغربيًا عامًا؟
هذه هي إذن الفترة الثانية من هذه النشأة لأدب مغربي صحبت التجزئة السياسية في عهد الإمارات المغربية، حيث نلمس أدبًا مغربيًا بمبدعيه، وبظروفه التي انتجته، وبطبيعة ما عالج من قضايا، فمثّله في كل إمارة صوت أو أكثر من صوت واحد، كان بعضهم من الأمراء في البلاط، أو ممن ينظمون الشعر ربما عرضا فقط لا موهبة مكينة، وممارسة دائمة، لكننا نجد إلى جانب ذلك من يمثله مغربيًا عامًا في هذه الفترة من النشأة بغزارة انتاجه، وتنوع موضوعاته، وانفتاحه على مختلف الأنظمة، الثلاثة في المغرب العربي، وغيرها أيضًا في المشرق كما سيأتي.