فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 127

وقد أتبع (المقّري) هذه الأبيات بتعليق أورده بعدها مباشرة"قال ابن سعيد (**) وهذه الأبيات مما يكتب لمراعاة قائلها ومكانته، لا لعلو طبقتها" (5) أي لضعفها، دون مكانة الرجل ومستواه الذي عرف بخطبته، لكن هذه الأبيات تؤكد حقيقة الرجل في كونه تمكن من العربية، حتى أجاد التعبير الرفيع بها، فأبدع في ذلك شعرًا ونثرًا، والملاحظ أن هذه الأبيات تستمد الظروف نفسها التي قيلت فيها الخطبة السابقة، غير أن الأبيات تبدو أسبق في القول عن الخطبة. الأبيات تصف عبور البحر من المغرب إلى اسبانيا، والخطبة تصور جوّ الاستعداد للمعكرة للالتحام بالعدوّ، في الأرض الاسبانية.

وقد انعكست في هذه الأبيات نفس القيم والملامح الدينية حتى استمد النص الصريح من القرآن الكريم، فقوله في الشطر الثاني من أول بيت وما تبعه:"عسى أن يكون الله منا قد اشترى"هو صدى لقوله تعالى:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتَلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن"إلى آخر الآية [111 من سورة التوبة]

مهما يكن من شيء فإن القرائن المختلفة ما ذكر منها وما لم يذكر تدلّ على أن الخطبة لطارق المغربي، خاطب الحس الديني في جنوده، والنوازع النفسية، وما لحق هذه الخطبة من تغيير واختلاف بين رواية وأخرى راجع إلى فعل الرواة وتصرفهم في ذلك.

وهكذا نسجل هنا الظاهرة الأولى في أول فترة لنشوء أدب مغربي موطّن، بصاحبه وبيئته وظرفه ومناسبته، ثم نتطلع حولنا لاستمرارية هذه النشأة وامتداداتها على الأقل في القرن الثاني للهجرة، فلا نعثر على شيء معتبر إلا في أواخره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت