فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 127

هذه الثقافة اللغوية التي لم تزاحمها معارف أخرى غير المعارف الدينية إضافة إلى الخبرة بالحياة والتجارب الإنسانية هي التي أسهمت في صياغة خطبة (طارق) في جيشه في لحظات مشحونة بالتحفز والقلق، وهو يجد نفسه في مواجهة عدوّ ذي إمكانات كبيرة بعدما تلقى أمرًا من (موسى بن نصير) سنة (92هـ) بالتوجه لفتح (اسبانيا) فجهز جيشًا قوامه عشرة آلاف ممن يسمون (بربرا) مسلمين وبضع مئات من عرب المشرق، لمواجهة الملك الإسباني (لذريق) الذي لقي مصرعه في المعركة على يد (طارق) سنة (94هـ) .

وهي المناسبة التي أبدع جوّها هذه الخطبة من عيون أدب الحرب، بكل ظلالها وأجوائها وثورتها وقيمها الطبيعية والشخصية والإنسانية المختلفة، والحضارية أخيرًا.

لقد كانت خطبة (طارق) طفرة متقدمة في نشوء الأدب المغربي، ليس في مستواها الفكري ولغتها فحسب، بل حتى في نوعها ونوعيتها، فهي ليست من الخطابة الدينية التقليدية الباهتة، ولا هي مما تأسر فيه الزخارف اللفظية الجوفاء، بل تفجرت فيها المشاعر الجياشة متدفقة حارة نابضة بالصدق والإيمان، مشاعر الجهاد والاستشهاد، مشاعر الإيمان بالقضية والفناء في حبّها، فدخل بها عالم الأدب من باب الحرب، وهي إن عبرت عن ملامح شخصية عسكرية حازمة فقد وشت أيضًا بروح أديب فنان، لم يصلنا منه غيرها سوى ثلاث أبيات شعرية ذكرها له (المقّري) في (نفح الطيب) وهي قوله:

ركبنا سفينا بالمجاز مقيرا (*) ... عسى أن يكون الله منا قد اشترى

نفوسا وأموالا وأهلا بجنة ... إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسرا

ولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا ... إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت