هذا الواقع الجديد يعتبر في وجهة نظر البعض من غير الغربيين طبعًا تتويجًا لموجات من العلاقات المتباعدة التي شهدتها المنطقة منذ العصور القديمة في الهجرات المتلاحقة، مما ينبه إلى الأصل العربي لسكان الشمال الافريقي القدماء زيادة على حقائق أخرى في اللغة والعادات والتقاليد، وهو -ربما- مما جعل المرحوم (شكيب أرسلان) يقول:"البربر في المواقف العامة هم أقرب إلى العرب من العرب بعضهم إلى بعض" (4) .
زيادة على كل ذلك وغيره فقد فصل الإسلام في الأمر بمبادئه وقيمه الإنسانية في مثل قوله تعالى:"إنما المؤمنون أخوة"وفي مثل قول رسول الله (ص) :"لا فضل لعربي على عجمي.. إلا بالتقوى"ثم قوله في الأخير"ليس منا من دعا إلى عصبية".
في هذا الواقع الإسلامي الجديد انطلق (طارق بن زياد) مجاهدا، وقد عينه (موسى بن نصير) واليا على مدينة (طنجة) بعدما تولى هذا الأخير مهامه في (شمال افريقيا) في نهاية الثمانينات من القرن الأول للهجرة، فأسهم (طارق) في التمكين للإسلام ونشر العربية بعدما نشأ في أحضانهما.
لم يكن استثناء ولا عجبا في هذا الجو أن يجيد (طارق) العربية ويبدع بها، وهو أمر لا يتطلب سوى بضع سنوات لن يكون في حاجة إلى أن تبلغ العشرين أو الثلاثين، تساعد على ذلك عوامل مختلفة، وهي كثيرة ومتنوعة، منها: حب الدين الجديد الذي يشحذ العزيمة فتكبر الهمة ويهون الصعب، إضافة إلى الذكاء الفطري في الإنسان الريفي وحدة ذهنه وقدرته الفائقة على الحفظ التي تمكن من حفظ المنظوم والمنثور خصوصًا القرآن الكريم قمة الإعجاز البياني، وما فيه من نماذج مثالية لفن القول الرفيع.