فتحدّث الأول عن (عمرة) له صحبة (فرحات عباس) رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة في المنفى، في (6 مارس 1959) حين كانا في السعودية في مهمة سياسية يصحبهما وزيران آخران في الحكومة المؤقتة، فبعد استقبالهم في مطار (جدة) انطلقوا إلى (مكة) حيث أدّى الرجلان العمرة التي لم يكد يتجاوز حديث الكاتب عنها السطور التالية"بعد استراحة قصيرة (في جدة) ذهبنا ممتطين سيارتنا الرسمية إلى منبع النور ومصدر الهدى مكة المكرمة حيث أدّينا العمرة، وصلّينا بساحة مسجدها المطهّر فريضتي المغرب والعشاء، ورأيت الرئيس فرحات عباس، المتفرنج، رأيته واللّه يرتعد فرقا وهو بين يدي الله، وقد اصفّر لونه حتى أصبح ليمونة صيف، وارتعش إلى درجة أنني كنت أمسك به حتى لا يقع، ووجم كأنما هو صوفي من رفقاء الجنيد (14) أمام جلال اللَّه، وعظمة الله وروعة بيت الله. وهكذا تفجّر إيمانه فإذا هو أقوى وأصدق إيمانًا (15) " (16)
فهو إن أجاد وصف جانب ممّا يعتري المرء في لحظات التأثر والخشوع فقد اختصر اختصارًا مخلاّ في نقل تفاصيل المشهد في هذا الموقف غير العادي، ولم يخل هذا الاختصار نفسه من مبالغة في قوله"كنت أمسك به حتى لايقع"فلم يوح كلامه باللحظة المحددة التي استدعت (تدخّله) لتجنيب رفيقه السقوط، كما لم يوح هذا الكلام بالموقف الخاصّ به الذي أثّر فيه، فجعله على تلك الحال، حتى بدا أنّ ذلك حالة لازمت رفيقه حين عبّر بكلمة"كنت"فلم يعد بمقتضاها من همّ له إلا حماية صاحبه من السقوط على الأرض.