ويأتي في مقدمة الرحّالين في هذه الفترة أعلام نذكر منهم على الخصوص (رفاعة الطهطاوي) (53) الذي حرص في رحلته إلى (باريس) على لفت النظر إلى الإيجابيات في الإنجازات الغربية الحديثة، وقد هدف كما يقول: لحثّ"ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرّانية والفنون والصنائع، فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمر ثابت شائع.... وقد أشهدت اللَّه سبحانه وتعالى على أن لا أحيد في جميع ما أقوله عن طريق الحق وأن أمشي ما سمح به خاطري من الحكم باستحسان بعض أمور هذه البلاد وعوايدها على حسب ما يقتضيه الحال، ومن المعلوم أني لا أستحسن إلاّ ما لم يخالف نصّ الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة وأشرف التحية. وليست هذه الرحلة مقتصرة على ذكر السفر ووقائعه، بل هي مشتملة أيضًا على ثمرته وغرضه، وفيها إيجاز العلوم والصنائع المطلوبة، والتكلّم عليها على طريق تدوين الإفرنج لها واعتقادهم فيها، وتأسيسهم لها" (54) .
وإلى جانبه يقف (خير الدين التونسي) (55) الذي كان"برنامجه: أن العالم العربي -الإسلامي غير مستعد لأن يدمج إدماجا، وأن يغزى عقائديًا، لذلك سيطرت على تفكيره مشكلة الإصلاح من الباطن لا من الخارج و إحياء القيم الإسلامية السرمدية كالشورى والحرية والعدل ونظام الحكم الذي حاد عن الشريعة الإسلامية وانقلب إلى حكم مطلق استبدادي أدّى إلى الخراب والتأزم المجحف، فكان نداؤه موجهًا أولًا وبالذات إلى زعماء الشعوب العربية الإٍسلامية خاصة منهم رجال الدين الذين تواطؤوا مع رجال السياسة على إقرار نظام الحكم المطلق... وكان نداؤه موّجهًا ثانيا إلى أوروبا المتشككة في حسن استعداد المصلحين للوثوب والنهضة" (56) .