الصفحة 62 من 966

عائشة -رضي الله عنهم جميعًا- يدلُّكَ هذا على أنه لم يُكَفِّر مّنْ سّبَّ الصحابة، بل لم يكفِّر من سب عائشة، إلا إذا سبها بما برأها الله منه، فيكون رادًّا للقرآن، فتأمل!!

وفي «المفهم» للقرطبي (6/ 493 - 494) : « ... ولا يُختلف في أنَّ من قال: إنهم كانوا على كفر أو ضلال؛ كافر، يُقتل، لأنه أنكر معلومًا ضروريًّا من الشرع، فقد كذَّب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به عنهم، وكذلك الحكم فيمن كفَّر أحد الخلفاء الأربعة، أو ضللهم، وهل حكمه حكم المرتد؛ فيستتاب، أو حكم الزنديق؛ فلا يستتاب؟ ويُقتل على كل حال؟ هذا مما يُختلف فيه، فأما من سبهم بغير ذلك: فإن كان سبًا يوجب حدًا، كالقذف؛ حُدَّ حَدَّه، ثم ينكَّل التنكيل الشديد من الحبس، والتخليد فيه، والإهانة، ما خلا عائشة -رضي الله عنها- فإن قاذفها يقتل ... وأما من سبهم بغير القذف، فإنه يُجلد الجلد الموجع، وينكَّل التنكيل الشديد ... » .اهـ. وانظر «الشفا» للقاضي عياض (2/ 652) .

فكلام القرطبي يتلخص منه أمور:

منها: أنه إن شتمهم بقذف؛ يُحَدّ ويُنَكَّل به، وهذا حكمٌ بفسق القاذف، ولم يحكم بتكفيره، وتأمل تفريقه بين هذا، وبين قذف عائشة المصادم صراحة للقرآن، وسيأتي من كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- ما يدل على أن العلماء تنازعوا أيضًا فيمن كفَّر الصحابة، فضلًا عمَّن فسَّقهم فقط! وقد حمل شيخ الإسلام روايات عدم التكفير على من سبهم - رضي الله عنهم - بما لا يقدح في العدالة، انظر «الصارم» (3/ 1110) ، وقد سبق من كلام ابن أبي يعلى أن هذا أحد الوجوه التي يُحمل عليها كلام أحمد، وليس الوجهَ الوحيد.

فهذا كله يشير إلى الاختلاف في هذه المسألة، وأكثرُ ما يُعتمدُ عليه كلامُ أحمد السابق، وما ذكره القاضي ابن أبي يعلى من الروايتين عن أحمد، وما عزاه أيضًا من تفصيل إلى الفقهاء.

وقد ينازع أحد في هذه المواضع -ومع كونها منازعة ضعيفة- فأقول له: رويدًا رويدًا، فإن هناك ما هو أصرح مما سبق في موضع النزاع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت