بالاضطرار من دين الإسلام، أم كان دون ذلك، إلا بعد استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، فلو لم نضم كلامه بعضه إلى بعض؛ لقولناه قولًا آخر [1] ؛ فبماذا يخرُجُ الشيخ من هذا الإلزام، غير العمل بقاعدة حمل المطلق على المقيد، أو العام على الخاص؟!!
(هـ) ولو نظرنا في كتب الجرح والتعديل عندما يقول أحدهم: ما أنجبت البلد الفلاني مثل فلان، والمراد بذلك، أي: في زمنه، وتفضيله على أقرانه، وليس المراد إطلاق ذلك، حتى يُفَضّل على أئمة كانوا قبله، فضلًا عن بعض الصحابة الذين هم من أهل هذا البلد، لكن أصحاب ظاهرية العصر- التي هي أشد قبحًا من الظاهرية الأولى - يلزمهم ذلك، وأعني بذلك: بعضهم الذين يفرحون بالكلمة التي يقعون عليها، من كلام خصومهم دون النظر إلى السباق واللحاق، ودون النظر إلى قصد المتكلِّم وعرفه، أو حياة المتكلم وجهاده ومنهجه!!
وكذلك قول أحدهم: فلان أوثق الناس، أو أوثق من بال على تراب، أو نحو ذلك؛ فإنَّ مراد المتكلِّم حَكَمٌ في هذا، وعلى كل حال: فهذا أمر لا يختلف فيه عالمان، لكننا في زمن التشكيك في المُسَلَّمات، وصَدَق من قال:
وليس يَصِحُّ في الأذهان شيءٌ ... إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ
(تنبيه) أنكر الشيخ قولي: يُحمل المجمل على المفصل، والمطلق على المقيد، والعام على الخاص، والمنسوخ على الناسخ، من كلام العلماء، وقد سبق الكلام على أكثر ذلك، لكن مما لا ينقضي منه العجب: إنكاره قولي: بأننا نأخذ الناسخ، ونترك المنسوخ!!
ولقد تعجبت كثيرًا عندما رأيت هذا الإنكار من الشيخ، وقلت: هل الشيخ لا يقبل تراجع من تراجع من العلماء عن مقالة أو فتوى له؟! أليس الشيخ قد تراجع عن مدحه لجماعة الإخوان عدة سنوات؟! وعن مدحه لسيد قطب؟! وعن قوله في خالد بن الوليد: «كان يلخبط» ؟! وعن قوله في سمرة: «عمل حيلة تشبه حيلة اليهود» ؟! أليس قد تراجع عن هذا كله، وأصبحت أقوالًا منسوخة، والعبرة بالجديد الناسخ؟! فلو لم نعمل بهذه القاعدة- وهي ترك المنسوخ للناسخ - فبماذا نحكم على الشيخ الآن؟! ألم يقف الشيخ على
(1) وقد ظهر لي أن الرجل في باب التكفير وشروطه وضوابطه مخلِّط، وقد كتبت في ذلك كتابًا مستقلًا باسم: «إعلان النكير، على منهج الشيخ ربيع في التكفير» .