فالحليم يملك عقله ويملك نفسه ، ويدرك حاجته . وذلك أنه بالحلم ينتفي الطيش ، والسفه ، اللذان لايملك معهما الإنسان عقله ، وبالحلم ينتفي الغضب الذي لايملك معه الإنسان نفسه ، وكثيرًا ما يقترف صاحب الغضب الفعل ، ثم يندم عليه ، ولاينفعه ندم ، وبالحلم تنتفي العجلة ، والتسرع في غير موضعهما ، فلا يفوت على الحليم مايفوت على المستعجل المتسرع .
ومن ملك عقله ، ونفسه ، وأدرك حاجته ، فلعمر الله إنه لحكيم .
وأما الركن الثالث للحكمة فهو حسن التدبير:
وحسن التدبير هو ثمرة لأمرين:
أحدهما: الذكاء والفطنة ، فلا يحسن التدبير من كان ذا غباوة أو غفلة .
وثانيهما: التجربة والخبرة ، فمن ليس له تجربة ولاطول خبرة ، فحريّ به ألا يحسن تدبير نفسه ولاغيره .
ولا غنى للداعي إلى الله تعالى عن الحكمة ، وإلاّ فإن ضرره سيكون أكبر من نفعه ، ولذلك فعليه أن يعتني بهذه الأركان الثلاثة ويوطن نفسه عليها والله المستعان .
أهمية الحكمة للداعية:
إن الداعي إلى الله تعالى لا ينبغي له أن يسير في دعوته إلاّ بالحكمة ، كما أسلفنا .
قال الله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] .
وقال تعالى: {قُلْ هََذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108] .
فالحكمة طريقه التي يسلكها إلى قلوب الناس وعقولهم ، وأداته التي يعالج بها فتح هذه القلوب دون كسرها ، واستدراج هذه العقول دون قسرها . إنها أداة حرفته ومهنته .
فإذا كان لكل صاحب مهنة أدواته التي لايستغني عنها ، ولاتقوم حرفته إلاّ بها ، فإن الدعوة مهنة الأنبياء وأتباعهم من العلماء وسائر الدعاة إلى الله تعالى وإن أداتها: الحكمة .