وقد أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بكل معروف ، ونهى عن كل منكر ، وأحل كل طيب ، وحرّم كل خبيث ، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال:"ما بعث الله نبيًا إلاّ كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم"، وثبت عن العرباض بن سارية قال:"وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون . قال: فقلنا: يا رسول الله ، كأن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ، فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا ، فعليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي ، تمسّكوا بها ، وعضّوا عليها بالنواجذ ، وإيّاكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة". وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما تركت من شيء يبعدكم عن النار إلاّ وقد حدّثتكم به". وقال:"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك".
وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنّة كثيرة ، وترجم عليه أهل العلم في الكتب:"كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة"، كما ترجم عليه البخاري والبغوي وغيرهما . فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين ، وحزبه المفلحين ، وجنده الغالبين . وكان السلف ـ كمالك وغيره ـ يقولون: السنة كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق . وقال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنّة نجاة .
إذا عرف هذا [الكلام لايزال لشيخ الإسلام] فمعلوم أن ما يهدي الله به الضالّين ، ويرشد به الغاوين ، ويتوب به على العاصين ، لابد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة . وإلاّ فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفي في ذلك ، لكان دين الرسول ناقصًا ، محتاجًا تتمة .