وإذا كان خلاف وكان القصد المغالبة والإلزام والإفحام فهو الجدل المحض .
أما علم الجدل فهو:"علم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إبرام أي وضع أريد ونقض أي وضع كان ."
وهو - كما يقول صديق حسن - فرع من فروع علم النظر ومبني لعلم الخلاف" (1) ."
ويبدو أن هذا التعريف لعلم الجدل متصل بمعناه العام الذي هدفه الإلزام والغلبة .
ولذا يمكن أن نقول إن علم الجدل الشرعي هو: علم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إظهار الحقائق والاستدلال عليها في مقام الاختلاف بغرض الدعوة إلى الله تعالى .
المبحث الثالث: نظرة في تاريخ الجدل في الحياة البشرية:
وجود الجدل في حياة الإنسان مسألة بدهية ؛ لا تحتاج إلى الاستدلال في إثباتها وتأكيدها , ولم تخل أمة من الأمم قديمها وحديثها منه .
وقد نبه عليها سبحانه وتعالى فقال: { وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } (2) .
قال الثعالبي:"وقوله تعالى: { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } الإنسان هنا يراد به الجنس وقد استعمل صلى الله عليه وسلم الآية على العموم في مروره بعلي ليلا وأمره له بالصلاة بالليل، فقال علي: إنما أنفسنا يا رسول الله بيد الله , أو كما قال، فخرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يضرب فخذه بيده ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" (3) .
وقال الزجاج:"كل ما يعقل من الملائكة والجن يجادل , والإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا" (4) .
(1) أبجد العلوم 2 / 208 .
(2) سورة الكهف الآية 54.
(3) الجواهر الحسان في تفسير القرآن 2 / 387 , وانظر معالم التنزيل للبغوي 3 / 168 , والحديث في صحيح البخاري كتاب التهجد ، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل 1 / 379 , وصحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين , باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح 1/ 537 .
(4) زاد المسير لابن الجوزي 5 / 157 .